خاص لـ هات بوست:
نُشرت تغريدةٌ عبر منصة إكس قبل أيامٍ، موجَّهة إلى معالي رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، تشكو كثافة نشر أخبار الطلاق في الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تهدف – حسب رأي الكاتبة – إلى إثارة الرأي العام، وقد استنكرتْ التغريدةُ التركيز على ما وصفته بـ (الزوايا السوداوية)، محذرةً من أن الاستمرار في تكثيف تداول هذه الأخبار ينعكس سلبًا على المجتمع، ويشوّه الصورة الذهنية للحياة الأسرية لدى الشباب والفتيات، حيث يتعارض هذا – في رأيها – مع مبادرة (عام الأسرة)، وتوجّهات الدولة الرامية إلى تعزيز الاستقرار الأسري وتشجيع الزواج.
وعلى الرغم من تعقيبي سابقًا على تلك التغريدة، إلا أنني أجد من الضروري معاودة تسليط الضوء على هذا الطرح، كونه يمثل نمطًا فكريًّا شائعًا في عموم المجتمع تجاه قضية الطلاق، وما يكتنف تناولها المجتمعي والإعلامي من مغالطات وتضخيم. وقبل الاسترسال، فإنني أتفق مبدئيًا مع الجزئية المتعلقة بالاعتراض على طرح قضايا الطلاق بهدف الإثارة وصناعة الجدل من أجل التفاعل والمشاهدات، ورأيي أنه تجربةٌ إنسانيةٌ محضة، لا يليق اختزالها في زوايا الإثارة أو التعاطي معها باستخفاف.
لكن ما استوقفني هو ربط الموضوع بـ (عام الأسرة)!، وأن تداول حالات الطلاق إعلاميًا يشوّه الصورة الذهنية للحياة الأسرية لدى الشباب والفتيات!
وكأن البيت الذي يقطع فيه الطلاق يفقد وجوده!
وما أراه أن الأسرة في جوهرها ليست مجرد عقد زواجٍ قائم، بل هي نسيج العلاقات والروابط التي تجمع أفرادها، فحتى إن وقع الطلاق تبقى الأم هي الأم ويظل الأب هو الأب، وتستمر الوالدية كينونة ممتدة لا ينهيها انحلال عقد الزواج، وفي هذا الإطار فإن ما يحدث هو إعادة تشكيل هذا النسيج، لكنه يظل متمسكًا بمسمى (الأسرة)، فالطلاق يحلّ الشراكة الزوجية، لكنه لا يفني الكيان الأسري الذي شيدته الأبوة والأمومة.
أما الصورة الذهنية التي أتمنى تصحيحها حقًّا، فهي عن الفكرة المغلوطة التي ترى في الطلاق (زوايا سوداوية) في المجتمع! فهذا الطرح – وإن اختلفت سياقاته – إلا أنه في المحصلة ينظر للطلاق باعتباره شرًّا لا ينبغي تجنّبه فحسب، بل تجب محاربته. ولا تخفى مآلات هذا التوجّه، خاصةً في الحالات التي يكون فيها الطلاق هو المخرج الآمن لأفراد هذه الأسر، فيضطرون – تحت وطأة الضغط المجتمعي – للإبقاء على الزواج حتى وإن كان بقاؤه محكومًا بالفشل! إن التهويل في نظرتنا للطلاق يؤدي بالضرورة إلى سجن الأفراد في علاقاتٍ قد تكون مأزومة وغير مستقرة، وهذا في تقديري يفرغ عام الأسرة من معناه الجوهري، وهو جودة الحياة والاستقرار النفسي.
ونحن وإن كنا ندعو للعقلانية التامة في معالجة المشكلات الزوجية، وتجنب تصعيد المواقف قدر المستطاع، إلا أنه لا يجب أن نغفل أن الطلاق مسارٌ اجتماعيٌّ طبيعي، له أبعاده الإنسانية، ودوافعه النفسية، وتنظيماته الشرعية والقانونية، تمامًا كالزواج. ولا يُفهم من هذا الطرح تبسيطًا لقرار الانفصال، فلا مماراة في أن استقرار لَبِنات المجتمع واستدامة البيوت هي الأصل الذي نرجوه، ولكنها دعوةٌ لتحييد رؤيتنا للطلاق كمسارٍ إنسانيٍّ ينبغي أن يُحاط بالوعي والموضوعية، لا بالوصم والشيطنة.
وآخِرُ القول:
في عام الأسرة، فإن المأمول حقًا هو التوعية بأخلاقيات الطلاق وحفظ الحقوق، وترسيخ السلوكيات الصحية والحضارية المطلوبة من الطليقَين صَونًا لمصلحة الأبناء، وضمانًا لاستقرار الروابط العميقة التي لا يبيدها الانفصال.
