الحاضر الذي لا يغيب

آراء

خاص لـ هات بوست:      

     جاءت احتفالية تكريم الفائزين في جائزة المقال الإماراتي في دورتها الثانية مفعمةً بالجمال، والأبهى أنها حملت معها ألقًا ثقافيًا مؤثرًا أضفاه حضور سمو الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، إذ تأتي رعايتها الكريمة للحفل ترسيخًا لنهجها المعهود في دعم الساحة الثقافية، ورعاية أهل الفكر وحملة الأقلام.

     ومع اعتزازي بالمحطات المتنوعة التي تناولتها سمو الشيخة الدكتورة شما في كلمتها، إلا أن إشارتها لصفحة (رأي الناس) في صحيفة الاتحاد قد لامست قلبي، وأثارت شجوني، وأحيت ذكرى مرحلة لطالما حنَنْت إليها، تلك الصفحة الغنية التي أُنشئت في تسعينيات الألفية الماضية، وخُصِّصَت حصرًا لاحتضان كتابات قرّائها.

     وقد وصفت سمو الشيخة الدكتورة شما صفحة (رأي الناس) – في كلمتها خلال الحفل – وصفًا بالغ الدقة حيث قالت إنها “تحولت إلى ما يشبه مرآة يومية يرى الناس فيها أنفسهم وأحلامهم وأسئلتهم الصغيرة، التي كانت في حقيقتها أسئلة مجتمع كامل.”

     كنا مجموعةً من الهواة – أنا على الأقل – وجدنا في (رأي الناس) رحابةً اتسعت لأقلامنا البكر، فكتبنا مقالاتٍ، وطرحنا أفكارًا، وتناقشنا وتجادلنا، جمعنا على ذلك حب القلم والكلمة.

     وقد بلغ اهتمام القائمين على الصفحة – وفي مقدمتهم الأستاذ محمد الحمادي المسؤول عن الصفحة حينها – وتشجيعهم حدَّ تخصيص زوايا أسبوعية ثابتة لعددٍ من كتّابها الدائمين، في خطوةٍ محفزةٍ، وتعبيرٍ عن التقدير لم نكن نجد نظيره في صفحاتٍ مماثلة.

     كانت مرحلةً مفعمةً بالنشاط والعطاء، ظلّت الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان وفيةً لها، حريصةً على ذكرها، كيف لا وهي التي آمنت بنا واستقبلتنا ذات يوم محتضنةً فعاليةً جميلةً لصفحة (رأي الناس) احتفاءً بكتّابها، حيث التقينا وتعارفت شخصياتنا بعد أن ترافقت حروفنا، وحظينا بتكريمٍ كان له بالغ الأثر في نفوسنا.

     لقد تركت رحلتنا في (رأي الناس) أثرًا عميقًا ما زال يرافقنا ونتحدث عنه بزهو، إذ آمنت تلك الصفحة بنا، وغذَّت أقلامنا، وصقلت تجاربنا الكتابية، ومكّنتنا من التعبير عن أفكارنا ورؤانا وتطلعاتنا على الصعيدين الشخصي والمجتمعي، مما جعلها علامةً فارقةً في سيَرِنا الذاتية.

     لقد وُلِدت جائزة المقال الإماراتي لتسليط الضوء على أهمية المقال، ولتكريم كتّابه وروّاده، ومد جسور التدريب والتعاون وتبادل الخبرات بين أهله، وعلى مسارٍ موازٍ، فإن مبادرة الصحف والمنصات الإعلامية بإتاحة مساحة للكتّاب الجدد، على غرار (رأي الناس)، يمكن اعتبارها نهجًا رديفًا يقدم دعمًا مهنيًا متخصصًا يستحقه الواعدون، ولعل فضاء النشر الرقمي اليوم يمنح مرونة أكبر لتطبيق هذا النهج، مراعاةً لخصوصية الصحافة الورقية وإمكانياتها.

وآخِر القول:

لقد أثبتت جائزة المقال الإماراتي، كما برهن الزمن، أن المقال لم يغِب يومًا، بل ظل هو الحاضر الذي لا يغيب.