خاص لـ هات بوست:
من يستطيع أن يتأمل في العلاقات الإنسانية والأسرية والاجتماعية والمهنية، ويتابع الأخبار والأحداث السياسية، يستطيع أن يلاحظ كثيراً من التشابه بين طبيعة العلاقات بين الناس وطبيعة العلاقات بين الدول في مختلف المواقف.
أنماط طبيعة البشر تجدها تتكرر وتنعكس في صور أكبر شيئاً فشيئاً؛ في الأفراد، وفي البيوت، وفي أماكن العمل، وفي المدن، ثم في الدولة التي تنتمي إليها أو تعيش فيها.
وهذا يفسر نوعاً ما لماذا نختار العيش في مدينة ما أو بلاد معينة، ولماذا نفضل العمل في هذه الوظيفة أو هذا المجال بالذات؛ وذلك لأننا نختار، بوعي أو بدون وعي، النمط الذي يشبه ما في أنفسنا، وما ننسجم معه من أماكن أو علاقات نهتم بها.
يقول سيدنا علي بن أبي طالب:
“وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر”
أي أن العالم الخارجي، بكل ما فيه من سعة وتعقيدات، يشبه العالم الداخلي في أنفسنا بطريقة ما، ولكن بصورة مصغرة.
لكن ماذا عن أولئك الذين لا يشبهوننا، وفُرض علينا التعامل معهم بحكم القرابة أو الزمالة أو الجغرافيا؟
تقول الدكتورة لويز هاي:
“الناس الذين يسببون لك المشكلات هم أعظم معلميك.”
أي أنهم يتواجدون في حياتنا كورقة اختبار على هيئة بشر أو مواقف، تعلمنا دروساً ما، مثل الصبر أو التسامح وغيرهما.
على مستوى العالم، لنفترض على سبيل المثال أن الكرة الأرضية هي مكان عمل، يتنقل فيه البشر من أرض إلى أخرى ليجدوا المكان الأنسب الذي يتوافق مع أرواحهم. وقد قُسمت هذه الأراضي، وأُطلق عليها اسم “دول”. وكل دولة اختارت لها اسماً، ورسمت حدودها التي تضمن لها العيش ضمن مبادئ معينة سمتها “دستوراً”، يشبه فكرها وطبيعة روحها والثقافة التي تريد ترسيخها على هذه الأرض.
وفي مكان العمل هذا، ألا وهو الكرة الأرضية، يوجد زملاء على هيئة دول؛ بعضهم ينسجمون بكل لطف واحترام، وبعضهم يكنّ العداء والأطماع للآخر. فتضطر هذه الدولة إلى التعامل مع زميلاتها من الدول التي لا تنسجم معها؛ بعضها بحكم طبيعة الجغرافيا، وأخرى بحكم القرابة، وأخرى بحكم المصالح الاقتصادية، وهكذا.
لذلك فإننا قد نتعامل بمحبة وثقة مع من ننسجم معهم، وبحذر وحكمة مع من لدينا مصالح معهم، وبصبر وتسامح وحدود مع من تربطنا بهم قرابة أو جغرافيا، وبردع وحسم وقطيعة مع من لا يبادلنا الاحترام، ويتجاوز حدود الجغرافيا أو القرابة أو الزمالة!
