خاص لـ هات بوست
لم يكن المقعد الفارغ مجرد مقعد.
كان الشاغر الوحيد في قاعة امتلأت عن آخرها احتفاءً بعيد ميلاد صاحب السّمو الشّيخ محمّد بن راشد آل مكتوم في مكتبة محمّد بن راشد، حيث تزيّنت الأمسية بلوحات فنية لفنانين من أنحاء مختلفة استلهموا دبي وملامح قائدها، قبل أن تتوالى القصائد بصوت كريم معتوق، ونجاة الظاهري، وحمدة المر، لتختتم الليلة بالموسيقى والغناء.
لكن حكايتي لم تبدأ على المسرح.
بدأت بالمقعد المجاور.
كانت تجلس إلى يساري سيدة إماراتية لم أكن أعرفها، بينما كان المقعد الفاصل بيننا قد تركته إحدى الفنانات المشاركات بعدما نهضت لتقف بجوار لوحتها مع وصول كبار الضيوف والمسؤولين. نظرت إلى السيدة وقلت مبتسمة: «ربما علينا أن نحتفظ بالمقعد للفنانة حتى لا تعود فلا تجده.» وضعت نسختي من كتابي “أربعون” على المقعد، وكأنها بطاقة حجز مؤقتة لصاحبته.
كان تصرفًا عفويًا.
لكنه كان بداية حديث لم أكن أتوقعه.
التفتت السيدة إلى الكتاب، وسألتني عنه، ثم عرفتني بنفسها. كانت عبير اللوز، الشيف الإماراتية ورائدة الأعمال، وأخبرتني أنها حضرت خصيصًا لدعم صديقتها الشاعرة الإماراتية نجاة الظاهري، التي كانت تستعد لإلقاء قصائدها في تلك الأمسية.
لفتني المشهد أكثر من أي شيء آخر.
في زمن تتسابق فيه الأضواء نحو الفرد، كانت عبير هناك لتصفّق لصديقتها. لم تكن هي نجمة المنصّة، لكنها كانت حاضرة لتمنح نجمة أخرى دعمها الكامل. بدا لي ذلك تعبيرًا راقيًا عن معنى الصداقة، وعن مجتمع يحتفي بالنجاح حين يكون نجاحًا جماعيًا.
وحين استمعت لاحقًا إلى نجاة الظاهري وهي تلقي قصائدها، أدركت سبب ذلك الحضور. كان صوتًا شعريًا واثقًا، يحمل حساسية اللغة وجمال الصورة، ويستحق الاحتفاء.
ولم تنتهِ الحكاية عند هذا الحد.
بدعوة كريمة من عبير، زرت مركزها التدريبي المتخصص في فنون الخَبز وصناعة الحلويات، حيث تفتح أبوابه للراغبين في تعلم هذه الحرفة وتحويلها إلى مهارة احترافية. وهناك اكتشفت أن رحلتها لم تكن رحلة شغف عابر، بل رحلة معرفة أيضًا؛ فقد تلقت تعليمها في فنون الطهي في تايلاند، ثم واصلت تطوير نفسها وتخصصت أكثر في عالم المخبوزات، حتى أسست مشروعًا يجمع بين الاحتراف، والتعليم، وريادة الأعمال.
في عبير اللوز رأيت نموذجًا لسيدة لا تكتفي بالنجاح الشخصي، بل تحوله إلى مساحة يتعلم فيها الآخرون. وفي نجاة الظاهري رأيت شاعرة تواصل كتابة صوتها بثقة، وتحظى بدعم صديقات يؤمنّ بأن نجاح الواحدة هو نجاح للجميع.
خرجت من تلك الأمسية وأنا أفكر أن أجمل ما في دبي هي هذه الروح التي تجعل من الثقافة، وريادة الأعمال، والصداقة، والبحث الدائم عن التميّز.
ربما لهذا السبب لم يعد ذلك المقعد الفارغ مجرد مقعد.
لقد كان المساحة الصغيرة التي فتحت أمامي نافذة واسعة لفهم جانب آخر من التجربة الإماراتية؛ تجربة تؤمن بأن النجاح لا يولد مصادفة، بل يُبنى بالشغف، ويُصقل بالعلم، ويكبر حين يجد من يدعمه ويحتفي به.
