من أعطاهم حق إشعال الحرب؟

آراء

خاص لـ هات بوست:

في الشرق الأوسط، قد ينام ملايين الناس في بلد ليس في حالة حرب، ثم يستيقظون ليكتشفوا أن أحدًا قرر عنهم أن الحرب بدأت. لم يصوّتوا عليها، ولم يناقشها برلمانهم، وربما لم حكومتهم أصلًا قراراً لبدئها. صاروخ تطلقه جماعة مسلحة، أو عملية تقررها قيادة تنظيم، أو حسابات إقليمية تُنفذ فوق أرض دولة أخرى، ثم تبدأ الغارات والردود، ويسقط الضحايا ويُهجر السكان وتُدمّر البيوت. وبعد ذلك كله، يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع ما حدث وكأنه قدر.

لكنه ليس قدرًا. إنه قرار. والسؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو: من أعطاهم حق اتخاذه؟ ربما تكون هذه إحدى أخطر المعضلات التي عاشها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. ففي الدولة الطبيعية، قرار الحرب هو أخطر ما يمكن أن تتخذه السلطة، يحتاج إلى مؤسسات ومحاسبة وتقدير للكلفة والنتائج. أما في أجزاء من منطقتنا، فقد أصبح ممكناً لتنظيم مسلح أن يتخذ قرارًا، ثم يترك الدولة والمجتمع يتحملان نتائجه.

لبنان يقدم المثال الأكثر وضوحًا، فالدولة اللبنانية أعلنت رسميًا أن قرار الحرب والسلم يعود إليها وحدها، وأن أي نشاط عسكري أو أمني خارج مؤسساتها مرفوض، وطالبت بحصر السلاح بيد الدولة. وفي الوقت نفسه، أكدت مطالبتها إسرائيل بوقف اعتداءاتها واحترام سيادة لبنان.

وهنا تكمن المسألة ، رفض السلاح خارج الدولة لا يعني منح إسرائيل تبريرًا لحروبها، كما أن إدانة الاعتداءات الإسرائيلية لا تعني منح حزب الله حق اتخاذ قرار الحرب نيابة عن اللبنانيين. يمكن، بل يجب، تحميل كل طرف مسؤولية قراراته.

وهذا يقود إلى إيران، على مدى عقود، أنفق النظام الإيراني المال والسلاح والجهد على بناء شبكة من الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدول، من لبنان إلى العراق واليمن. وما زالت قضية السلاح خارج الدولة مطروحة بحدة في أكثر من بلد؛ ففي العراق، تواجه الحكومة مقاومة من جماعات مسلحة مرتبطة بطهران في مساعيها لنزع السلاح غير الخاضع للدولة.

لكن الخطأ هو قراءة ذلك بوصفه دليل قوة إيرانية خارقة، الأدق أن نسأل عن الحصيلة.

ماذا قدم هذا المشروع للبناني الذي خسر منزله أو مصدر رزقه؟ ماذا قدم للعراقي الذي يريد دولة يكون قرارها في بغداد لا في مقر فصيل مسلح؟ وماذا قدم لليمني الذي عاش سنوات من الحرب والانقسام؟ بل ماذا قدم للإيراني نفسه، فيما تعاني بلاده ضغوطًا اقتصادية قاسية وتتراجع قيمة عملتها وترتفع الأسعار؟ التطورات الأخيرة أظهرت أيضًا تراجع فاعلية عدد من شبكات طهران التقليدية بفعل الحروب والضغوط الاقتصادية وتعطل خطوط الإمداد.

هذه ليست صورة مشروع منتصر، إنها فاتورة مشروع باهظ الكلفة، وغزة تفرض السؤال بصورة أشد قسوة. لا نقاش في مسؤولية إسرائيل عن عملياتها العسكرية وعن حماية المدنيين وفق القانون الدولي. لكن ذلك لا يجب أن يمنع طرح سؤال فلسطيني مشروع: هل كان من حق قيادة حماس أن تتخذ قرار 7 أكتوبر من دون أن يكون لدى أكثر من مليوني فلسطيني في غزة أي رأي في قرار سيغير حياتهم بالكامل؟

النتيجة الإنسانية لا يمكن تجاهلها. وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تقول الأمم المتحدة إن الوضع الإنساني بقي حرجًا، فيما أظهر أحدث تقييم فضائي متاح للأمم المتحدة أن نحو 82 في المئة من مباني قطاع غزة تعرضت لأضرار حتى منتصف يونيو 2026.

والسؤال هنا ليس ما إذا كانت القضية الفلسطينية عادلة، فعدالتها لا تحتاج إلى إثبات، السؤال هو: من يملك حق تحديد الوسيلة، ومن يُحاسب عندما تكون النتيجة كارثية على الشعب الذي يُقال إن السلاح يحميه؟

المشكلة نفسها تتكرر بأشكال مختلفة، تنظيم يمتلك السلاح، ثم يكتسب تدريجيًا سلطة اتخاذ قرار تتجاوز حجمه الدستوري. والأسوأ أن أصحاب القرار لا يدفعون وحدهم الثمن. المدني هو الذي يفقد بيته، والموظف وظيفته، والطفل مدرسته، والدولة اقتصادها.

لهذا ربما حان الوقت لتغيير السؤال، بدل أن نسأل من انتصر ومن خسر؟ أو من أطلق الصاروخ ومن رد عليه؟ علينا أن نسأل قبل ذلك كله: من كان يملك شرعية اتخاذ القرار؟ فالدولة التي لا تملك قرار الحرب لا تملك سيادتها كاملة، والمواطن الذي يستطيع شخص آخر أن يقرر نيابة عنه متى يدخل الحرب لا يملك أمنه ولا مستقبله.

والدرس الذي دفع الشرق الأوسط ثمنه مرارًا يبدو بسيطًا: السلاح الذي يُقال إنه يحمي الدولة، لكنه ينتزع منها قرار الحرب والسلم، لا يجعلها أقوى بل يجعل شعبها رهينة قرار لم يتخذه. وربما يبدأ الاستقرار الحقيقي يوم يصبح السؤال، قبل إطلاق الصاروخ الأول: من أعطاك الحق في أن تقرر الحرب عن شعب كامل؟