الإمارات في مرمى الحملات… ماذا تقول الأرقام؟

آراء

خاص لـ هات بوست:

     في زمن أصبحت فيه الحملات الإعلامية جزءاً من أدوات الصراع السياسي بين الدول، تتعرض الإمارات لموجات متواصلة من الانتقادات والاتهامات. بعضها يدخل في إطار النقد السياسي المشروع، وبعضها الآخر يتجاوز ذلك إلى محاولات لبناء صورة سلبية عن الدولة وسياساتها ودورها الإقليمي.

لكن بعيداً عن ضجيج المنصات والسجالات السياسية، ثمة سؤال يستحق أن يُطرح: ماذا تقول الأرقام؟

     فصورة الدول لا تصنعها فقط الروايات التي تُكتب عنها، بل النتائج التي تحققها، وقدرتها على جذب الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وبناء المؤسسات، والتأثير دبلوماسياً، والتحرك عندما تندلع الأزمات والحروب.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو قصة الإمارات مختلفة إلى حد كبير عن الصورة التي تحاول بعض الحملات رسمها.

اقتصاد يتجاوز النفط

تكشف الأرقام الأحدث حجم التحول الذي شهده الاقتصاد الإماراتي.

     ففي عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.2 في المئة ليصل إلى نحو 1.9 تريليون درهم، فيما نما الاقتصاد غير النفطي بنسبة 6.8 في المئة ليصل إلى نحو 1.5 تريليون درهم.

     ولا تعكس هذه الأرقام مجرد دورة نمو عابرة، بل تحولاً هيكلياً في دولة ارتبط اقتصادها تاريخياً بالنفط، بينما باتت قطاعات التجارة والمال والتأمين والبناء والصناعة والنقل والعقارات تشكل قاعدة اقتصادية واسعة ومتنوعة.

     وفي النصف الأول من عام 2026، اقتربت التجارة الخارجية غير النفطية من حاجز تريليوني درهم خلال ستة أشهر فقط، مسجلة 1.937 تريليون درهم، بنمو سنوي بلغ 13.1 في المئة. أما الصادرات غير النفطية فقفزت بنسبة 23.9 في المئة إلى مستوى قياسي بلغ 452.8 مليار درهم.

لكن المؤشر الأكثر دلالة ربما هو ما يقوله المستثمرون بأموالهم.

     فقد استقطبت الإمارات خلال عام 2025 نحو 48.3 مليار دولار، أي 177.3 مليار درهم، من الاستثمار الأجنبي المباشر، مسجلة رقماً قياسياً للعام الرابع على التوالي، لتصبح تاسع أكبر وجهة للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.

كما حافظت للعام الثالث على التوالي على المركز الثاني عالمياً في عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة، مع 1,562 مشروعاً.

والدلالة هنا واضحة: رؤوس الأموال العالمية لا تتحرك بناء على الشعارات، بل وفق حسابات الاستقرار والعائد والفرص والثقة بالمستقبل.

الخامسة عالمياً… والأولى في الأداء الاقتصادي

وفي التنافسية، تقدم الأرقام صورة لا تقل وضوحاً.

ففي تصنيف IMD للتنافسية العالمية لعام 2026، احتلت الإمارات المرتبة الخامسة عالمياً في التصنيف العام، فيما جاءت في المرتبة الأولى عالمياً في محور الأداء الاقتصادي.

كما احتلت المركز الأول عالمياً في 21 مؤشراً فرعياً، ودخلت ضمن أفضل خمس دول في العالم في 67 مؤشراً.

والتمييز هنا مهم: الإمارات خامسة عالمياً في التنافسية الشاملة، وأولى عالمياً في الأداء الاقتصادي.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية لأنها تأتي في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

     ففي يوليو 2026، خلص فريق من صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الإماراتي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود في مواجهة الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، مستنداً إلى قوة الاحتياطيات، وسرعة الاستجابة الحكومية، ومتانة النظام المصرفي. كما توقع استمرار الفوائض المالية والخارجية، مع بقاء الدين العام عند مستويات منخفضة.

لكن قصة الإمارات لا تتوقف عند الاقتصاد.

من القوة الاقتصادية إلى دبلوماسية النتائج

خلال السنوات الأخيرة، برز جانب آخر من الحضور الإماراتي: القدرة على الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف متخاصمة، ثم استخدام هذه العلاقات لتحقيق نتائج عملية.

وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية أحد أوضح الأمثلة.

فحتى 19 أغسطس 2026، أسهمت الوساطات الإماراتية في تنفيذ 26 عملية لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وصل عبرها إجمالي من تم تبادلهم إلى 7,997 أسيراً.

ولا تكمن القيمة السياسية لهذا الرقم في عدد الأسرى وحده، بل في قدرة دولة على التحدث مع موسكو وكييف في الوقت نفسه، والحفاظ على مستوى من الثقة يسمح بتحويل العلاقات السياسية إلى نتائج إنسانية ملموسة.

وفي غزة، يظهر وجه آخر لهذه السياسة.

     فبحلول أبريل 2026، كانت الإمارات قد قدمت أكثر من 130 ألف طن من المساعدات براً وبحراً وجواً. وقالت خلال الاجتماع الوزاري للجنة الارتباط الخاصة في بروكسل إن هذه المساعدات تمثل أكثر من 45 في المئة من إجمالي المساعدات الدولية المقدمة إلى القطاع، وبمساهمات تقارب ثلاثة مليارات دولار.

     كما أنشأت ست محطات لتحلية المياه يستفيد منها أكثر من مليون شخص، واستقبلت أكثر من 2,963 مريضاً ومرافقيهم للعلاج، إضافة إلى إقامة مستشفى ميداني داخل غزة ومستشفى عائم في العريش.

السودان… بين حرب الروايات وحرب الأرقام

ربما يمثل السودان الاختبار الأكثر تعقيداً وحساسية بالنسبة إلى الإمارات.

فالحرب هناك لم تعد مجرد مواجهة عسكرية كارثية، بل تحولت أيضاً إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي إقليمي، وكانت الإمارات في قلب الكثير من الاتهامات والروايات المتعارضة بشأنها.

ولهذا تحديداً يصبح ضرورياً التمييز بين الاتهامات السياسية من جهة، والوقائع القابلة للقياس من جهة أخرى.

     يقوم الموقف الرسمي الإماراتي على أن الحرب السودانية لا يمكن حسمها عسكرياً، وأن الأولوية يجب أن تكون لوقف دائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ثم الانتقال إلى عملية سياسية مدنية يقودها السودانيون.

لكن أبوظبي لم تكتف بالموقف السياسي.

ففي فبراير 2026، أعلنت التزاماً جديداً بقيمة 500 مليون دولار للاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة في السودان.

     وبحسب وزارة الخارجية الإماراتية، تجاوز إجمالي المساعدات التي قدمتها الإمارات للسودان خلال العقد الماضي 4.24 مليار دولار، منها قرابة 800 مليون دولار من المساعدات الإنسانية منذ اندلاع الحرب في عام 2023.

     وفي المسار السياسي، شاركت الإمارات إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية ومصر في إطار الرباعية الساعية إلى وقف الحرب والدفع باتجاه تسوية سياسية، مع التأكيد على وحدة السودان وسيادته وضرورة الانتقال إلى حكم مدني.

     وهنا تظهر واحدة من أبرز المفارقات في الحرب الإعلامية المحيطة بالسودان: الدولة التي تواجه اتهامات بأنها جزء من الأزمة، هي في الوقت نفسه من كبار ممولي الاستجابة الإنسانية للسودانيين، وأحد الأطراف المشاركة في المساعي الدولية الرامية إلى وقف الحرب.

     هذه الوقائع لا تلغي الاتهامات، ولا تجعل السياسة الإماراتية فوق النقد. لكنها تفرض على أي نقاش جدي ألا يتعامل مع رواية واحدة باعتبارها حقيقة مكتملة، وأن يضع إلى جانب الاتهامات الأرقام والوقائع والتحركات الدبلوماسية الفعلية.

لماذا تُستهدف الإمارات؟

ربما تكمن الإجابة، جزئياً على الأقل، في التحول الذي طرأ على موقع الدولة نفسها.

     فالإمارات لم تعد مجرد دولة نفطية ذات دخل مرتفع. خلال عقود قليلة، تحولت إلى مركز اقتصادي ومالي ولوجستي، ووجهة لرأس المال والكفاءات، ودولة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدولية وحضوراً متزايداً في الملفات السياسية والإنسانية.

ومع اتساع النفوذ، تتسع بالضرورة دائرة المصالح المتقاطعة أو المتعارضة معه.

     ومن الطبيعي أن تخضع سياسات أي دولة بهذا الحضور للنقد والمساءلة. لكن هناك فارقاً بين نقد السياسة وإنكار النتائج، وبين مساءلة دولة عن قراراتها وبناء رواية تختزل كل ما تفعله في صورة سلبية واحدة.

فالاقتصاد لا ينمو بنسبة 6.2 في المئة بسبب حملة علاقات عامة.

ولا يأتي 48.3 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي لأن المستثمرين قرأوا بياناً حكومياً.

ولا تصبح دولة خامسة عالمياً في التنافسية وأولى عالمياً في الأداء الاقتصادي نتيجة تغريدة.

ولا يعود 7,997 أسيراً روسياً وأوكرانياً إلى طرفي الحرب عبر وساطة لا تمتلك قنوات سياسية وثقة لدى الجانبين.

ولا تصل 130 ألف طن من المساعدات إلى غزة، أو مليارات الدولارات إلى السودان، بمجرد صناعة رواية إعلامية.

هذه نتائج قابلة للقياس.

ولهذا ربما لا تحتاج الإمارات، في مواجهة الحملات التي تستهدفها، إلى الدخول في كل سجال، أو الرد على كل اتهام، أو ملاحقة كل رواية.

     فالرد الأكثر تأثيراً هو الاستمرار في بناء نموذج يستطيع الاقتصاد العالمي أن يثق به، والمستثمر أن يضع أمواله فيه، والإنسان أن يجد فيه فرصة، والأطراف المتخاصمة أن تلجأ إليه للوساطة عندما تنقطع بينها قنوات الحوار.

في النهاية، يمكن الاختلاف مع الإمارات وسياساتها، وهذا أمر طبيعي في السياسة والعلاقات الدولية.

لكن يبقى هناك فارق بين الرأي والحقيقة، وبين الرواية والرقم.

وفي عالم يزداد فيه الضجيج، قد تكون المعادلة الإماراتية الأكثر قوة هي الأبسط:

دع الآخرين يتنافسون على الرواية… ونافس أنت على النتيجة.