لماذا تحرّم إيران على جيرانها ما أحلّته لنفسها؟

آراء

خاص لـ هات بوست: 

هناك مشكلة جوهرية في السردية التي تستخدمها إيران لتبرير عدائها لدول الخليج: التاريخ الإيراني نفسه يناقضها.

     تقول طهران إنها تخوض مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتهم دولاً خليجية بأنها تقف إلى جانب خصومها، وتستخدم علاقات هذه الدول بواشنطن ذريعة لتبرير تهديدها أو حتى استهدافها.

لكن ماذا لو عدنا قليلاً إلى الوراء؟ ماذا لو كان النظام الذي يجرّم اليوم التعاون مع الولايات المتحدة قد تعاون معها بنفسه عندما كانت المصلحة الإيرانية تقتضي ذلك؟

     هنا لا نحتاج إلى رواية أميركية ولا إلى اتهامات خصوم إيران، يكفي أن نستمع إلى مسؤول إيراني كان في قلب السلطة.في يناير 2004، قال محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني آنذاك محمد خاتمي، إن إيران “قدمت الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق”، قبل أن يطلق العبارة الأكثر وضوحاً: “لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة”.

     اعتراف يصعب أن يكون أكثر وضوحاً، فالحديث ليس عن حوار دبلوماسي مع واشنطن، ولا عن مفاوضات لتجنب حرب، بل عن مرحلتين كانت فيهما القوات الأميركية تخوض حربين غيرتا وجه المنطقة: إسقاط طالبان عام 2001، ثم إسقاط نظام صدام حسين عام 2003.

     وفي الحالتين كان المستفيد الاستراتيجي الأكبر، إلى جانب الولايات المتحدة، إيران نفسها.على حدودها الشرقية، تخلصت طهران من طالبان التي كانت تعتبرها تهديداً مباشراً. وعلى حدودها الغربية، أسقط الجيش الأميركي صدام حسين، العدو الذي خاضت إيران ضده حرباً استمرت ثماني سنوات.

وخلال أقل من عامين، فعلت القوة العسكرية الأميركية لإيران ما لم تكن طهران قادرة على فعله بنفسها: أزاحت اثنين من أخطر خصومها الإقليميين.

     ولم تقف إيران متفرجة.في أفغانستان، الوقائع موثقة أميركياً وإيرانياً. دعمت طهران التحالف الشمالي الذي قاتل طالبان، ثم عمل دبلوماسيوها مباشرة مع الأميركيين بعد سقوط النظام. وفي مؤتمر بون عام 2001، تعاون المبعوث الأميركي جيمس دوبينز مع محمد جواد ظريف، الذي كان يومها نائباً لوزير الخارجية الإيراني، في الترتيبات التي أنتجت النظام الأفغاني الجديد.

     وتشير مصادر أميركية موثقة إلى أن إيران استخدمت نفوذها لدى التحالف الشمالي لتسهيل التسوية، وقبلت بحامد كرزاي الذي دعمته واشنطن، بل إن معهد السلام الأميركي يذكر أن مستشارين عسكريين إيرانيين كانوا موجودين في مناطق التحالف الشمالي إلى جانب عسكريين أميركيين، وأن طهران أبدت استعدادها لمساعدة عسكريين أميركيين إذا تعرضوا للخطر، وسمحت بمرور مساعدات إنسانية أميركية عبر أراضيها.

     هذه ليست نظرية مؤامرة،هذا فصل موثق من العلاقات الإيرانية الأميركية. والأهم أنه ليس مستغرباً، إيران فعلت ما تفعله الدول عادة: حسبت مصالحها وتصرفت وفقاً لها. لكن المشكلة تبدأ عندما تريد طهران أن تمنح نفسها هذا الحق وتحرم الآخرين منه.

     فإذا كان من حق إيران أن تتعاون مع الولايات المتحدة عندما يساعد ذلك في إسقاط طالبان وصدام حسين، بأي منطق يصبح تعاون دولة خليجية مع واشنطن جريمة؟ وإذا كان من حق طهران أن تقيم تقاطعاً أمنياً وسياسياً مع “الشيطان الأكبر” عندما تحتاج إليه، لماذا يصبح تقاطع المصالح بين دولة عربية والولايات المتحدة مبرراً لتهديدها أو استهدافها؟

     هنا تسقط الحجة الإيرانية، دول الخليج لم تختر أن تكون إيران في مواجهة مع الولايات المتحدة، وليست مسؤولة عن البرنامج النووي الإيراني، ولا عن الصراع بين طهران وإسرائيل، ولا عن السياسات التي أوصلت إيران إلى مواجهة مفتوحة مع خصومها.

     وهي، مثل إيران تماماً، لديها أمن قومي ومصالح وتحالفات وحسابات خاصة بها. بل إن هناك مفارقة أكثر فداحة حيث ان دولاً خليجية لعبت مراراً أدوار الوساطة والتهدئة بين إيران والغرب، وسعت إلى منع توسع المواجهة في المنطقة. ولذلك فإن تحميلها ثمن صراع لم تبدأه، فقط لأنها تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، لا يمكن تسويقه باعتباره “مقاومة”.

     إنه محاولة لفرض معادلة إيرانية غريبة: من حق طهران أن تختار حلفاءها وشركاءها وفق مصالحها، لكن على جيرانها أن يختاروا حلفاءهم وفق مصالح طهران. ومن حق إيران أن تتعاون مع واشنطن عندما تحتاجها، لكن علاقة الآخرين بواشنطن تتحول إلى تهمة عندما تختلف مصالحهم مع إيران. ومن حق طهران أن تستفيد من القوة العسكرية الأميركية عندما تزيل خصومها، ثم تقدم نفسها بعد ذلك باعتبارها رأس حربة في مواجهة المشروع الأميركي في المنطقة.

     هذا ليس مبدأً سياسياً، إنه ازدواج صارخ في المعايير والواقع أن اعتراف أبطحي القديم يهدم جزءاً كبيراً من السردية الإيرانية الحديثة. فإيران لم تكن دائماً في خندق المواجهة مع الولايات المتحدة كما تريد ذاكرتها السياسية الانتقائية أن توحي فعندما التقت المصالح، تعاون الطرفان وعندما تغيرت المصالح، عادت المواجهة.

وهذا مفهوم في عالم السياسة لكن غير المفهوم هو أن تطالب إيران لنفسها بحق ممارسة البراغماتية في أقصى صورها، ثم تطالب جيرانها بممارسة السياسة وفق العقيدة الإيرانية.

     لذلك، قبل أن تسأل طهران دول الخليج عن علاقاتها مع الولايات المتحدة، ربما عليها أن تجيب عن سؤال أكثر بساطة:إذا كان التعاون مع الولايات المتحدة خيانة تستوجب العقاب، فماذا نسمي التعاون الذي قال مسؤول إيراني إنه ساعد على إسقاط كابول وبغداد؟ وإذا كان التعاون معها حقاً مشروعاً عندما تقتضيه المصلحة الوطنية، فلماذا تحرّم إيران على غيرها ما أحلّته لنفسها؟