خاص لـ هات بوست:
الظهور والانتشار والشهرة والتأثير والاسم المعروف، كلها أمورٌ مُغرية للبعض، بل لعلها أصبحت حقًّا مجانيًّا تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من غير قيودٍ صارمة.
لكن مَن هو الجمهور الذي يُسعى إليه بالفعل، ويُطمَح إلى إعجابه وتصفيقه؟
فكم مِن مشاهيرَ ومؤثرين طار بهم متابعوهم ورفعوهم إلى عنان السماء، متابعةً ودعمًا، وذودًا ودفاعًا، حتى إذا كانت أول زلّة، أسقطوهم من عليائهم! وكأن المؤثّر منتَجٌ استهلاكيٌّ أو رمزيّةٌ خاليةٌ من البشرية والخطأ!
لهذا السلوك دوافع عديدة تناولتها الدراسات الاجتماعية والنفسية، فالجماهير تُحرّكها العواطف الحادة لا العقلانية، والفرد داخل الجموع يفقد قدرته على التفكير النقدي المستقل، ويخضع لـ “العدوى العاطفية” التي تنساق خلف رد الفعل الأول، إلى جانب التفكير الحَدِّي الذي يجعل العقل يتناول المشاهير إما كـ “قدّيسين كاملي الصلاح” أو “أشرارٍ مطلَقين”، بناءً على الصورة الذهنية الأولية التي كوّنها عنهم في بداية ظهورهم، مِن غير قدرةٍ على استيعاب المنطقة الرمادية واحتمالية ارتكاب الأخطاء التي تُعّدُّ جِبِلَّةَ البشر.
يُضاف إلى ذلك خلق رابطةٍ عاطفيةٍ وهميةٍ أحادية الطرف، يبني فيها المتابع توقعاتٍ مثاليةً غيرَ واقعية، فيصبح خطأُ المؤثّر خيانةً شخصيةً تستوجب الثأر، وليس مجردَ خطأ صادرٍ عن إنسانٍ غريب، مما يجعل رد الفعل انتقاميًا حدَّ الإفراط في أحيان كثيرة، ناهيك عن مظنّة التفوّق الأخلاقي الذي يوهم الحشود بامتلاك سلطة المقاضاة، ومن ثَمَّ حق العقاب الجماعي.
إلا أن أكثر ما لفت انتباهي هو مفهوم “متلازمة الخشخاش الطويل”: وهي ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تجسّد ميل الجماهير لرؤية الأفراد الذين ارتفعوا فوق الجميع وهم يُسحَبون إلى الأسفل. إذ إن بروز المؤثّر وانتشاره على نطاقٍ واسعٍ يثير حسدًا مُضمَرًا – وهو حسدٌ بداعي الشهرة والانتشار، لا لقيمة المحتوى بالضرورة – أو شعورًا خفيًّا بالضآلة وعدم المساواة لدى بعض المتابعين، ومن هنا تصبح “الزلّة” هي الفرصة السانحة والمُبرَّرة أخلاقيًا لإسقاطه.
هل المؤثّر معصوم أو فوق النقد؟
هل المطلوب التغاضي عن فكرةٍ خاطئةٍ يطرحها، أو سلوكٍ سيئٍ يمارسه؟
بالطبع لا، لكن ما النقد المنشود؟
إنه النقدُ الذي يتناول التصرف أو الفكرة الخاطئة مع فصلها عن ذات الشخص وقيمته وكرامته الإنسانية، والمتوازنُ الذي يكون متناسبًا مع حجم الخطأ دون مبالغةٍ أو تزييفٍ، والعادلُ الذي يحاسِب الزلة دون إسقاط تاريخ صاحبها كله. إنه في جوهره نقدٌ نزيهٌ يتميز بالنضج والأناة والإنصاف والموضوعية.
هؤلاء ليسوا جمهور الإثارة واللحظة العابرة وحشود “الكنسلة”، بل جمهور الفكرة والمضمون، الذين ينشدون القيمة الحقيقية والأثر المستدام، وينظرون إلى الأخطاء بعين التقويم لا بسيف الاتهام. قد يكونون أقل عددًا، إلا أن تفاعلهم قائمٌ على الاحترام الموضوعي حتى وإن اختلفوا مع صاحب الفكرة، فيَزِنون الطرح بوعي، ويفرقون بين نقد الزلّة وبين هدم الشخص واستباحة كرامته.
ومع خوارزمياتٍ تُغذّي الهياج الجماعي وتُعزِّز المشاعر الحادة في مقابل إبعاد الآراء المتّزنة إلى هامش الصفحة أو منع وصولها، يغدو هذا النقد النزيه عزيز المنال!
وفي ظل هذا الواقع لم يعد الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ مُغريًا، ولا مَطلبًا آمِنًا يُبتَغى.
وآخِرُ القول:
لا نريد اليوم مؤثّرين فوق المحاسَبة أو أصنامًا رقميةً لا تُمَسّ، لكننا بحاجةٍ إلى جمهورٍ مأمون.
