أن تملأ عين نفسك

آراء

خاص لـ هات بوست:

     صدفةٌ عابرةٌ منذ نحو أربع سنوات وضعت أمامي مفهوم (النرجسية)، إذ لم أسمع بها من قبل، ولم أكن أعلم أنها اضطرابٌ مصنَّفٌ ضمن الاضطرابات الشخصية، أو أعي أنها توصيفٌ لكثيرٍ من السلوكيات التي طالما عجزتُ عن فهمها أو تفسيرها. ومنذ ذلك الحين، تولّدت لديّ رغبةٌ جارفةٌ في الاكتشاف والاستزادة، فقرأتُ واستمعتُ للكثير من المقاطع وحلقات البودكاست، سواءً من متخصصين ومهتمين قدموها بشكلٍ جادٍ وعميقٍ وموضوعيّ، أو حتى من راكبي موجة التعطّش التفاعلي الذين وجدوا فيها (ترند) لا يجب أن يُفَوَّت، فقدموها بشكلٍ سطحي ومبتذَل.

     ومن خلال اطلاعي البسيط، توصّلت إلى أن النرجسية ليست مقتصرةً على المعتلين المشخَّصين كمضطربين نرجسيين، بل هناك كذلك فئةٌ يمارس أفرادها سلوكياتٍ ذات سماتٍ نرجسيةٍ جرى تطبيعها بفعل عوامل البيئة والتنشئة والعادة، وترسّخت لتصبح امتيازاتٍ انحيازيةً تَمنح سلطةً أو حقًّا ضمن سياقاتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ عديدة، حيث وُضِعت هذه السلوكيات تحت تصنيفاتٍ سائدةٍ ومقبولةٍ لا يُرى فيها أذى. والفرق بين الفئتين أن الثانية قابلة للتعديل بالمواجهة، وجلسات المصارحة والتوجيه، وإعادة ضبط بعض المفاهيم في ذهنها، أما الأولى فعلاجها بالغ الصعوبة حد المستحيل أحيانًا.

     غير أن أهم ما يمكن أن أقوله في هذا السياق هو أن الفهم الصحيح للنرجسية لا يساعدنا على فهم اعتلالات الآخرين، وكيفية مواجهتها أو تجنبها فحسب، بل يضيء لنا كذلك دربًا لمعرفة اعتلالاتنا ومواطن ضعفنا، كالإرضائية، والشعور بالذنب، والميل المفرط للإنقاذ والتضحية، وكيفية تصحيحها. كما أنه يرشدنا لمعرفة احتياجاتنا بمسمياتها الحقيقية، كالخوف من الفقد، والاحتياج المفرط للقبول، والتعرّف على السبل الصحية والمتاحة لإشباعها. إن هذه الإضاءة للداخل الإنساني هي النقطة الفاصلة بين البقاء في دور الضحية وبين استعادة الفاعلية والسيادة على الذات.

     فالحقيقة الجوهرية هي أن المتلاعب لا يملك قوةً مطلقة، بل يستمد قوته من هشاشة الأرض التي يقف عليها الطرف الآخر، لذا فإن المعادلة ببساطة هي أننا لا يمكن أن ننتصر على النرجسي أو المتلاعب بشخصيةٍ ممزَّقة وكيانٍ مُنهَك. ومن هنا فإن الفوز الحقيقي ليس في تغيير الشخص المؤذي أو إبعاده أو إرغامه على الاعتراف بأخطائه، بل في استعادة النضج العاطفي والاستقلال النفسي، وحماية الحدود دون ضجيج، والوصول إلى السلام الداخلي الذي يعي الشخصُ معه قيمتَه دون أن يتلهّف للحصول عليها من الآخرين.

إن من أسوأ المشاعر التي تعيق عملية التعافي والتخطّي، شعور الاستغفال..

     أن نشعر أننا كنا أغبياء بحيث لم نلتقط الإشارات، وأننا ممن يسهل خداعهم، وأننا لم نستوعب حقيقة التلاعب والإيذاء اللذَين تعرضنا لهما إلا متأخرين! هذا شعورٌ طبيعي، وربما كان حقيقيًّا في أحد جوانبه، إلا أنه قد يقودنا إلى حالةٍ من الإنكار، لذا علينا تخطّيه سريعًا قدر جهدنا، قبل أن يواجهنا الآخرون بهذه الحقيقة القاسية، لأن بعضهم – إن لم يكن واعيًا لوقع كلامه – قد يزيدنا غبنًا، وكأننا كنا نستمتع بالتغابي والتغافل!

لكن من الضروري أن نواجه أنفسنا بصدق.

     أن نعترف لأنفسنا بأن الأمر لم يكن محض غباءٍ بالضرورة، بل طيبةً وحُسْنَ ظن، ربما مع شيءٍ من المثالية أو السذاجة أو التوقعات التي لم تصادف أهلها، وأن نمسح على قلوبنا قائلين: لا بأس.. من منا لا يخطئ في أحكامه وتقييماته للبشر؟! ومن منا لم يعِش تجربةً سيئة؟!

     وأن نتعهد لأنفسنا أن نسدّ كل ثغرة نفسية استطاع المتلاعبون الدخول منها إلى حياتنا. وأن نبذل جهدنا لنكون نسخًا أفضل وأقوى نفسيًا وعاطفيًا. أن نتحمل المسؤولية تجاه أنفسنا، لا بالقسوة وجلد الذات وتضخيم الأخطاء، بل بالرحمة والرفق بذواتنا، وحب النفس حبًّا حقيقيًّا وفعّالًا.

وبالحديث عن حب النفس..

     هو – في تقديري – ليس اعتناءً بجمال الشكل وأناقة المظهر، ليس شعرًا مصففًا أو ثوبًا جديدًا، ولا تغزلًا بصورنا في المرآة، ولا رحلة سفرٍ أو تجوّلًا مع الأصحاب.

إنه ليس بهذه السطحية التي ندلل بها ظاهرنا، بل هو معنىً ينبع من العمق، إنه فعلُ صيانةٍ وحمايةٍ وبناء.

     أن تحب نفسك يعني أن تنأى بها عن مواطن الخدش والمهانة، وأن تعترف بضعفٍ أو نقصٍ أو خلل، فتعزم على إصلاحه دون مكابرة أو مبررات، وأن تجتهد وتستثمر في نفسك لتبلغَ أفضلَ ما يمكنُك أن تكونَه.. نسخةً مطمئنةً ومُكتفيةً ومَرْضِيَّة.

وآخِر القول..

أن تحب نفسك يعني – ببساطة – أن تملأ عين نفسك.