خاص لـ هات بوست:
“كيف لا تعرفين؟ أنتِ أُم!”
سمعتُ هذا الرد عدة مرات من أبنائي في مواقف متفرّقة، كانوا يسألونني فيها عن معلوماتٍ أجهلها أو نسيتها، فيكون ردي بتلقائية: لا أعرف.
كانوا يستغربون أريحية ردّي، ويندهشون دهشةً حقيقيةً فيها شيءٌ من الإحباط وخيبة الأمل!
وبعيدًا عن الصورة المثالية التي لا تبرح أذهان أبنائي عني، بحكم صغر سنهم وعدم اكتمال تجربتهم الحياتية، وبالتأكيد لمحبتهم لي وثقتهم فيّ، فإنني أستغرب من الحرج الذي يعتري البعض أمام حقيقة أنه “لا يعرف”.
ولماذا تحولت “لا أعرف” من إجابةٍ طبيعيةٍ إلى اعترافٍ يُشعِر صاحبَه بالضآلة والخجل، وربما يدفعه إلى التواري خلف ردودٍ غير دقيقة؟!
أفهم أننا تشرّبنا صورةً ذهنيةً تصوّر الآباء والمعلمين ومن هم أكبر سنًّا باعتبارهم أهل الخبرة والمعرفة الذين يملكون إجابةً لكل شيء، وهذا التصوّر يشكّل جزءًا كبيرًا من شعورهم بالقيمة والهيبة التي تُمنَح لهم، فيغدو الاعتراف بالجهل ضعفًا يجرح شعورهم بقيمتهم، ويظنون أنه ينال من هيبتهم، ويكسر صورتهم ويهز مكانتهم.
وربما يدفعهم ذلك إلى التخمين أو تقديم إجاباتٍ خاطئةٍ حفاظًا على تلك الصورة في عيون الآخرين، وهربًا من لحظة مكاشَفةٍ بسيطة.
إلا أنني لا أرى الأمر من هذه الزاوية التقليدية، بل أراه أبسط من ذلك بكثير، فالإقرار بالجهل هو في جوهره لحظة صدقٍ إنسانيةٍ مع الذات، واعترافٌ بالنقص البشري الطبيعي بما يدفع إلى البحث والاستزادة من المعرفة، كما أنه مؤشرٌ على قدرٍ من الاتزان والأمان الداخلي والتواضع الفكري، إذ لا يخشى المرء عندئذٍ من أن يظهر على حقيقته، فهو يعلم أن قيمته لا تكمن في نفي جهله، بل تكمن في أمانته ونضجه.
هذا الصدق يعلّم الأبناء والطلاب ومن هم أصغر سنًّا وخبرةً حقيقةً أصيلةً في جِبِلّة الإنسان، وهي حاجته المستمرة وقابليته الدائمة للتعلّم. وربما كانت شفافية “لا أعرف” أقدر على حفظ مكانتنا في نفوسهم من إجابةٍ متكلّفةٍ نحاول بها حماية تلك المكانة، لأننا نقدم لهم حينها نموذجًا صادقًا وواقعيًّا في التعامل مع حدود المعرفة.
وحين يرون أن جهلنا بشيءٍ ما لا ينتقص من شعورنا بقيمتنا، وأننا لا نحاول الحفاظ على هيبتنا بادعاء معرفة ما نجهل، فإنهم يتعلّمون بدورهم أن جهلهم لا ينتقص من قيمتهم في أعين أنفسهم أو في أعين الآخرين، وأنهم ليسوا مطالَبين بالكمال حتى يكونوا جديرين بالتقدير والثقة.
ويتعلمون كذلك أن الجهل في حقيقته ليس وصمةً بقدر ما هو محركٌ يفتح أبواب المعرفة.
وهكذا تصبح القيمة غير مرهونةٍ بكماليةٍ متخيَّلة، بل بالصدق مع النفس، والتواضع المعرفي، وعدم المكابرة أمام الجهل، واتخاذه دافعًا إلى البحث والتعلّم والتطوّر.
وآخِرُ القول:
“لا أعرف” ليست إعلانَ عجزٍ، بل تعني في حقيقتها: “لا أعرف حتى الآن، وسأبدأ في البحث عن إجابة.”
