عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

روائح العيد

الأربعاء ٢١ يوليو ٢٠٢١

في كل مرة يطرق علينا العيد أبواب النهار، تهل تذكارات كثيرة مخزونة في ذاكرتنا، عن أعياد الطفولة والمراهقة، عن المغامرات التي خضناها للحصول على العيدية، عن الحماقات التي دفعنا ثمنها لقاء أن نحظى بشيء من اللهو البريء دون علم الأهل، كما نستعيد تلك الأيام التي اضطررنا أن (نعيد) خارج الإمارات، فمتى عيدنا في الخارج؟ وأين؟ ولماذا؟ وكيف كان العيد هناك؟ هل اختلف؟ هل كان أفضل أم أن الأمر سيان؟ في تلك الأيام التي صارت تجري للخلف سريعاً وتندس في أدراج التذكارات، كان الناس ما زالوا ينظرون للعيد بقدسية ومهابة تليق به، وكانت صلاة العيد احتفالاً دينياً لا يفوت من قبل جميع أفراد الأسرة، وكذلك طقوس ذبح الأضحية وتوزيعها، وزيارات الأهل واجتماع الأسرة على وليمة الغداء.. وغيرها، على الرغم من الإنهاك والتعب الذي يبدو واضحاً على الكبار الذين يظل بعضهم مستيقظاً لا يذوق طعم النوم ليلة العيد، منشغلاً بين الطبخ والإعداد والترتيب و.. الخ. في تلك الأيام التي لم نعد نملكها، كان أول ما يعنيه بالنسبة لنا هو الثياب الجديدة، والعيدية التي تمنح بكرم، واستعداد الكبار للذهاب لمصلى العيد مضمخين بالبخور والعطور، يحملون سجاداتهم وينضمون للجموع الساعية للصلاة، فإذا أفصحت الذاكرة عن كل مخزونها ضج الفضاء بأصوات التكبير تملأ جنبات المنزل والحي تنطلق من مساجد الأحياء، بينما تتسمر أمي وجدتي أمام…

إلى «البندقية» بحثاً عن كتاب

السبت ١٧ يوليو ٢٠٢١

في زيارتي الأولى لمدينة فينيسيا داخلني شيء من النفور من المدينة لسبب أدركته مؤخراً يتعلق بعامل التوقيت، فليس من الحكمة أن تزور مدينة كفينيسيا في الشتاء، وهي المدينة المحاطة على الدوام بالمياه، حتى لتبدو للزائر وكأنها عروس بحر انبثقت من لجج محيط متلاطم، لقد حللت في أحد فنادقها الأنيقة المطلة على القنال الكبير في أيام شتائية عاصفة، فكان ذلك خطأً أدركته بعد فوات الأوان! لم أتمكن من فتح النافذة لا ليلاً ولا نهاراً، فقد اختلطت مياه الأمطار المنسكبة بغزارة من أفواه قرب مندلقة من سماء مكفهرة، مع مياه البحر الذي علا منسوبه ما أدى لاختلال منظومة الصرف الصحي في المدينة، فتحول الأمر إلى كارثة حقيقية في بعض المناطق! في تلك الأيام كنت قد ذهبت إلى فينيسيا لأنني كنت أزور مدينة ميونخ الألمانية لدواعي العلاج، فبسبب الآلام المبرحة التي أصابت قدمي وجدتني أطرق عيادة طبيب مختص بآلام القدم هناك، وكان طبيباً بارعاً من أصول مصرية، أفادتني علاجاته وبدأت أتحرك بشكل جيد، ما حدا بي بعد عدة أيام لزيارة بعض مدن إيطاليا القريبة، فزرت فلورنسا وفيرونا وفينيسيا، وفي أحد فنادق الأخيرة نسيت كتاباً محبباً كنت أقرؤه بنهم. في العام 2015، عدت إلى فينيسيا الإيطالية أو ما كانت تعرف في العصور الوسطى باسم البندقية، فقضيت فيها خمس ليالٍ بالتمام والكمال، كان الجو أفضل…

أدب الرحلات

الإثنين ١٢ يوليو ٢٠٢١

تغيرت الأفكار حول تناولنا ونظرتنا لكل شيء تقريباً، هذا ليس من باب المقولات الدارجة أو المتكررة، فلقد تغير كل شيء حولنا، تغير المنظور الذي نطل من خلاله على العالم من حولنا، في ما يخص علاقاتنا، اهتماماتنا، ومحيطنا.. إلخ. إن شيئاً شديد الوضوح قد تغير بشكل نهائي، لا رجعة فيه، هذا التغيير له علاقة بثورة المعرفة والمعلوماتية، ووسائل التواصل الحديثة، إضافة لجائحة «كورونا»، بطبيعة الحال. إن هذا التغيير في الحقيقة ليس سهلاً، لكنه يحتاج إلى حكمة وشجاعة لقبوله والتعايش معه، دون وقوع في الرفض أو الحنين الفائض للماضي. عندما كتبت عن انطباعاتي خلال الأسفار والرحلات التي قمت بها خلال أكثر من عشرين عاماً، سألني قارئ فاضل: لماذا لم تكتبي تفاصيل المدن التي قمتِ بزيارتها، جغرافياتها، مناخاتها، عادات أهلها، غرائب ما فيها، ما صادفك من المواقف والمآزق… وغير ذلك؟ وبينما هو يسأل، كان عقلي يجري مقارنات واستعادات معقدة، مرت بذاكرتي سريعاً عناوين لا تحصى، وشخصيات مشهورة في أدب الرحلة، منذ الرحلة الخرافية للإيطالي ماركو بولو، إلى قارة آسيا وبلاد الصين في القرون الوسطى، إلى رحلات ابن بطوطة والمسعودي والمقدسي وغيرهم، ممن أسسوا لأدب أو علم الرحلات. لقد تغير أدب الرحلة تماماً، لم يعد مقبولاً أن تذهب إلى الهند، لتعود بكتاب تقول فيه بأنك شاهدت شعوباً تؤمن بمئات الأديان، وتتحدث آلاف اللغات واللهجات،…

الحكَّاؤون الأفذاذ

السبت ١٠ يوليو ٢٠٢١

وضعتُ قائمة لمئة كتاب ورواية سبق لي أن قرأتها في سنوات سابقة وحتى قبل بضعة أيام، كتب وروايات تنتمي لثقافات مختلفة، قادمة من عوالم الشرق والغرب، من القرن الرابع عشر حتى القرن الواحد والعشرين، كتبها حكّاؤون أفذاذ، وحكّاءات عظيمات، ضجت خيالاتهم بالقص، وامتلكت قلوبهم ناصية اللغة حتى صارت ملعبهم وتاريخهم، فقدموا لنا مدونة سردية شاهقة تعج بالروايات والقصص، تجعلني كلما تصفحت شيئاً منها أتساءل أحياناً: ماذا كنا سنفعل لولا هذه الكتب، ولولا هذه الروايات والقصص؟ أحالني السؤال إلى الحكاءة الأولى والأشهر، المغامرة وحاملة القنديل المرتعش في يدها وهي تقطع ذاك الطريق الطويل الذي تجاوز ألف ليلة وليلة، شهرزاد التي واجهت رعب خوفها من الموت على يد جلاد كان يتسلى بقطع رؤوس النساء، فظهرت كحكاءة تلهيه بقصص تموج بالمغامرات والتشويق والحب والبطولة والأساطير، ما أنساه الانتقام والرؤوس التي تقطر دماً كل ليلة، لقد أنقذت الحكايات حياة شهرزاد وحياة ألف امرأة وكل النساء! لقد أنقذت الحكايات حياة عشرة أشخاص (سبع شابات وثلاثة شبان) يفرون من الطاعون الأسود الذي انتشر في مدينتهم فلورنسا، ويلجؤون إلى دير يختبئون فيه حتى ينجلي الوباء، يمرر هؤلاء الشباب الوقت في الحكي، وينتصرون به على المخاوف ووحش الانتظار المتربص خلف البوابات والأسوار، يحكون 100 حكاية عن أنفسهم وتجاربهم، تموج بالمقالب والطرائف وقصص الحب ومفارقات الحياة، حتى انجلاء الغمة!…

أسئلة مواطن عربي

الأحد ٠٤ يوليو ٢٠٢١

بعد عمر من الأحلام والتمنيات، بعد طول انتظار على أمل أن يحدث تغيير في الشكل والجوهر.. نعم، في شكل سياسات الكثير من بلداننا العربية وفي جوهر أداءات هذه البلدان، وبعد أن تعبنا من المراوحة في المكان نفسه، كحراس يراقبون تدفق الليل في شوارع وأزقة المدينة، ويرقبون مضي الزمن البليد، كنا مثل هؤلاء نمضغ الاتهامات نفسها التي تكتب ضدنا في تقارير التنمية البشرية والاقتصادية وفي نشرات الأخبار السياسية، ونكرر الكلمات المهينة ذاتها: بلدان نامية، بلدان نائمة، بلدان متخلفة، بلدان عالم ثالث.. الخ! بعد هذا العمر الذي قضيناه كما فزاعات مغروسة في حقول جرداء تصفر فيها الريح، ولا طيور تحوم في الأفق، لانزال في المكان نفسه، في الحقول نفسها، نريد أن نقول إننا تغيرنا، تطورنا، ثار شبابنا في بلدان عدة وغيروا أنظمتهم وأوصلوها إلى مرافئ أخرى ذات بحار وحرية ونوارس ورجال يسيرون بلا بنادق وعقول مملوءة بالأوهام ورغبات الهروب، ونساء يمشين في شوارع مدنهن بلا وجل أو فزع أو تردد، لكننا لانزال نراوح في المكان نفسه؛ بل وأسوأ من المكان الذي كان! لبنان بلد عربي، كان جميلاً، أخضر، وكان مبشراً وواعداً بالثقافة والخيرات والوعي والحرية والسيادة والديمقراطية، صار أقصى ما يطلبه إنسان لبنان قوت يومه وقليلاً من الأمان وأن يطمئن إلى أنه سيموت على أرض لبنان بكرامة، بعدما عبثت به كل أيادي…

النساء في العمل العام

الإثنين ٢٨ يونيو ٢٠٢١

كان لافتاً أن أعداد النساء اللواتي حظين بثقة الجمعية العمومية لاتحاد الكُتاب والأدباء الإماراتيين كان متفوقاً على أعداد الرجال بما مجموعه 4 سيدات، و3 رجال، وهي نتيجة تحسب للمجتمع أولاً، كما تحسب للنساء بطبيعة الحال. الذين حضروا الانتخابات لاحظوا أن أغلبية الذين شاركوا في التصويت في انتخابات اتحاد كُتاب وأدباء الإمارات كانوا في معظمهم من الرجال، ما يمنحنا إشارة قادحة للتفكير، وهي إشارة لا يجب المرور عليها قفزاً؛ لأنها من الأهمية بحيث يمكننا أن نؤسس عليها فرضية إيجابية تتعلق بتغير واضح في موقف الرجل من مشاركة المرأة في العمل العام، بل ودعمه لها. فإضافة لنشاط الشخص المترشح وتاريخه المهني ومدى مصداقيته وقبوله اجتماعياً، فإن العملية الانتخابية (التصويت والترشح) غالباً ما تحتاج لكثير من الجهد وتوظيف العلاقات والاستعدادات كمؤثرات يدفع بها المترشح لينال ثقة الناخبين. كل ذلك يبدو معروفاً للجميع، لكن يبقى هناك دوماً ذلك الرهان على: التاريخ الشخصي للمترشح، ووعي المجتمع الانتخابي، خاصة ونحن نتحدث عن انتخابات جمعية ذات نفع عام، وليس انتخابات برلمانية لها تربيطات أخرى أكثر تعقيداً! وعليه فإن الحضور النسائي المتفوق في مجلس إدارة اتحاد الكُتاب له دلالاته الاجتماعية المهمة، لأولئك الذين يتشبثون بمقولات الحركات النسوية الغربية أو ببعض مقولات النسويات العربيات حول الموقف التمييزي أو الإقصائي للرجل في علاقته مع المرأة، وهي علاقة لطالما تم التعبير…

لقد مرت العاصفة بسلام!

السبت ٢٦ يونيو ٢٠٢١

الغياب كسلوك جماعي، والعزلة التي فُرضت علينا، ثم الخوف القاهر والضاغط على القلب والجسد معاً، تحت وطأة هذه الثلاثية المترافقة معاً، انسحبت أيامنا في هذه الحياة لأكثر من عام ونصف، فهل وعينا تماماً معنى وحجم الخسائر التي تكبدناها؟ هل تأكدنا كم يبدو الأمر قاهراً ومثيراً للأعصاب، أن تكر أيامك أمام عينيك وأن تتفرج عليها تنسكب على الأرض كسائل لا يمكن جمعه، أن تتخلى طواعية عن سنتين من عمرك مفضلاً الأمان وهارباً من المخاطرة؟ كغريب يطرق بابك عند الفجر، هكذا طرق الوباء باب الكوكب، فهبت البشرية لاستقباله بالخوف والاختباء، وابتعاد الكل عن الكل، حتى أمهاتنا أصبحنا نقبلهن على أكتافهن خوفاً عليهن، نتقابل مع أصدقائنا من خلف الشاشات كعشاق يسرقون اللقاء من خلف الأسوار العالية، أعمالنا، تعليم أبنائنا، تسوقنا، معارض كتبنا، أثاث بيوتنا، مطاعمنا، كلها توارت وصارت مجرد شاشات وأزرار، صرنا كمن نعيش حباً من طرف واحد! عندما جاءتني رسالتها بعد غياب طويل خلال زمن كورونا البائس، وجدتها عاتبة، وكأنها لم تعش معنا محنة الكوكب، كأنه حين أغلق أبوابه لشهور كانت قد تسللت من مكان ما، وحين عادت كتبت لي: «أنا عاتبة إذا كان يحق لي ذلك، توقعت على الأقل مجرد سؤال عن غيابي»! ربما أحدثها عن المخاوف واهتزاز اليقين، ربما أسألها عن معنى الغياب والعتاب في مواجهة هذا الموسم الطويل القاسي…

عودة الروح

السبت ١٩ يونيو ٢٠٢١

في الوقت الذي يهرع فيه العالم لفتح بواباته ونوافذه، مشرعاً قلبه مجدداً لمباهج الحياة وضجيجها الذي افتقده لشهور طويلة، يشعر كل واحد منا برغم بذرة الحذر المغروسة في طبيعتنا بأن الحياة تعود إلى المدن، وأن الروح تعود إلينا مجدداً، وبالرغم من أن مدناً أخرى تدق نواقيس الخطر، رافعة شارات الحظر ومنع الدخول بسبب «متحوّر دلتا»، مدن بأكملها تعيش في ظلال الخوف، وأخرى تحظر الطيران، وثالثة تمنع التنقل، إلا أن حب الحياة أقوى وإرادة الحياة هي من ينتصر في النهاية! على الطرف الآخر، فرنسا وبعد معاناة ومكابدة تعلن خلاصها من الكمامات تدريجياً، وقبلها فعلت بعض مدن إيطاليا، وبينما أصابت الخليجيين حالة من الحزن بعد إعلان العديد من دول الاتحاد الأوروبي تحفظاتها على اللقاح الصيني، عادت هذه الدول تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية وانهيار السياحة إلى القبول بكافة التطعيمات المعترف بها عالمياً، فقد بشّرت النمسا وألمانيا وسويسرا والبرتغال وفرنسا وغيرها من دول أوروبا الخليجيين بقرب الترحيب بهم على أراضيها خلال أيام. أما موسكو فهي تعج اليوم بالشباب الخليجيين الذين قدّموا لسياحتها من خدمات الترويج ما لم تقدمه وزارة السياحة هناك على امتداد سنوات، فقد امتلأت حسابات السناب شات بالترويج لكل صغيرة وكبيرة فيها حتى غدت موسكو الوجهة المفضلة للكثيرين رغم تفشّي الوباء هنا وهناك. أخرج اليوم، وبعد شهور عدة، من قمقم العزلة إلى…

حكاية الكُتّاب الهاربين من الحياة!

السبت ١٢ يونيو ٢٠٢١

تبدو فكرة عظيمة جداً، تلك التي جاءت في الكتاب الذي نال جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب هذا العام 2021، وهو «في أثر عنايات الزيات» للكاتبة والشاعرة والمترجمة المصرية د. إيمان مرسال، الأستاذة بجامعة ألبرتا في كندا، إنها فكرة تفرغ أديب أو شاعر لتتبع أثر كاتب آخر وُجد في زمن آخر، كان يعتقد بأنه الزمن الخطأ! وبقدر ما نظر البعض للكتاب على أنه كتاب يناقش حالة مصرية بذاتها وملابساتها، فإن كثيرين اتسعت رؤيتهم ليجدوا في الكتاب حالة إنسانية عامة، يمكن أن نجدها أو نسمع عنها في كل مكان، إنها حالة تشبه وقوع المرء في الحب، أو اليأس، أو الإصابة بالاكتئاب أو معاناته من الاغتراب أو بحثه الدؤوب عن المعنى، وفي كل ذلك لا خصوصية في الأمر، فكل هذه الحالات تقع لكل الناس في كل مكان. لقد تتبعت إيمان بدأب، وشجاعة، وشعور بالمسؤولية، حكاية روائية مصرية شابة أقدمت على الانتحار في ستينيات القرن المنصرم وفي تاريخها ليس سوى رواية واحدة فقط هي «الحب والصمت»، إنها عنايات عباس الزيات، ابنة العائلة الأرستقراطية التي امتلكت موهبة أدبية رفيعة ووعياً متقدماً وتمرداً على كل القوالب وحساسية نفسية شديدة، لنتفق على تسميتها الهشاشة النفسية؛ لأنها لم تحصنها في وجه رغبتها في الانتحار! لماذا انتحرت عنايات؟ لأنها لم تجد ما كانت تبحث عنه، لم تتمكن بفعل…

الثبات في منتصف المسافة

السبت ٢٩ مايو ٢٠٢١

الوقوف على حافة الجبل دون أن تسقط، ودون أن تصاب بالدوار، دون أن يختل توازن جسدك وتهوي، دون أن ترتجف رجلاك لأن الخوف قد أغرق دمك ودماغك، تلك ليست مجرد مهارة أو موهبة، تلك واحدة من الأسرار التي يمتلكها البعض، أو تختصهم الطبيعة بها لأسباب مجهولة، وقد اكتشفوها هم في أنفسهم فقاموا بتطويرها وصقلها حتى غدت مهارتهم وصفتهم الأولى. تأملوا لاعبي السيرك، والذين يسيرون على حبل مشدود بين بناءين، والذين يتسلقون ناطحات السحاب الزجاجية، كل هؤلاء يتراوحون في المسافة بين المغامرة والجنون، بين المقامرة والمجازفة محسوبة العواقب، إلا أن الذين يتمكنون من البقاء في منتصف الطريق دون أن يعودوا للخلف أو يفقدوا بوصلة الوصول ليسوا أناساً عاديين أو من الممكن الاستهانة بهم أو بذكائهم! في دبي لا يمكنك أن تفتقد شيئاً، لا يمكنك أن تدعي أن هناك ما هو أفضل مما تمتلكه هذه المدينة، لا يمكن لأجنبي أو عربي أو غريب أو قريب أن يقول إنها تصادر حريته أو يضطر فيها ليكون غير ما تعود، فهل هي مدينة الأحلام فعلاً؟ نعم هي كذلك، ولو أن مركز أبحاث ودراسات تتبع أعداد الحالمين الذين حققوا ما حلموا به على أرض دبي لما أمكنه حصر أعدادهم، تلك حقيقة تتباهى بها دبي! ودبي تجعلك حراً كأقصى ما تكون الحرية، ثم تقول لك أنت مسؤول…

الحياة في ظل الكذب!

السبت ٢٢ مايو ٢٠٢١

ماذا لو لم تكن هناك أسوار وأستار نحيط بها أنفسنا فتعزلنا عمن حولنا، لندفن خلفها صدماتنا وأسرارنا وربما عيوبنا وضعفنا عن الآخرين؟ ماذا لو عاش الناس منفتحين على بعضهم البعض ومكشوفين تماماً بلا أسرار وبلا خفايا؟ وكما في العزلة، فإن السؤال نفسه طرحه صنّاع الفيلم البريطاني «اختراع الكذب» كيف يمكن أن تكون الحياة في ظل الصدق؟ من هنا يبدأ الفيلم، تلك البداية الغرائبية حول مدينة عادية تشبه غيرها من مدن العالم وتعج ببشر يشبهون كل البشر على كوكب الأرض سوى أنهم لا يعرفون معنى الكذب، تخيلوا بشراً لم يكذب أي منهم في حياته كذبة واحدة، الجميع يقول الحقيقة دفعة واحدة كما هي، مجردة وصادمة و.. بمنتهى الوقاحة غالباً! في إطار فانتازي (بدا ساذجاً أحياناً) يطرح صنّاع الفيلم إشكالية الحياة في ظل الصدق المجرد وحياتهم بعد أن يعرفوا كيف يكذبون، أو بعد أن اخترع بطل الفيلم شيئاً بدا له أنه يحدث للمرة الأولى: أن يكذب، بدأ بالكذب على أمه حين صور لها كيف ستكون حياتها بعد الموت، ثم توالت كذباته على مدير دار النشر وعلى بقية من حوله. لقد عاش فاشلاً، تتجنّبه النساء ويمقته الرجال، كما فُصل من عمله حين كان يقول الصدق ولا يكذب أبداً، لكنه أصبح محبوباً وغنياً حين بدأ يكذب، تغيّرت حياته وحظي بكل شيء، فهل هذا صحيح؟…

كلنا أسرى العزلة!

الأربعاء ١٩ مايو ٢٠٢١

آنا فوكس امرأة عادية، مثل ملايين النساء حول العالم، أخصائية نفسية للأطفال، لكنها تعاني الخوف من الأماكن المفتوحة، ولذلك فهي لا تجازف بالخروج من منزلها بسهولة، لا تخرج إلا للضرورة، تجد آنا نفسها حبيسة شقة واسعة في أحد أحياء نيويورك، لا يشاركها السكنى فيها أحد، وحين تُسأل تجيب سائليها بأنها انفصلت عن زوجها، وأن ابنتها تعيش مع والدها في مدينة أخرى، ولكن الحقيقة خلاف ذلك تماماً. من عزلتها في تلك الشقة، تطل المرأة على بيوت جيرانها عبر نوافذ كبيرة، لتراقب ما يحدث في تلك البيوت، يفصل بينها وبينهم الشارع الذي يقطع الحي بشكل طولي، وهي لا تكتفي بالمراقبة، ولكنها تتجاوز ذلك إلى تصوير المواقف المثيرة للانتباه، وحين انتقلت العائلة الثرية المكونة من أم وزوجها الثري وولدهما المراهق للشقة المقابلة لها باتت حياة تلك العائلة تحت المراقبة طوال الوقت إلى أن حدثت جريمة القتل البشعة! تقلب هذه الجريمة حياتها رأساً على عقب عندما تبلغ الشرطة، ولكن تعقيدات أخرى في حياة الطبيبة تطفو على السطح لتضعها في محل شك، فلا تصدقها الشرطة، ولكن المرأة تستطيع بالبحث أن تثبت وقوع جريمة قتل حقيقية وليست متخيلة كما حاول القتلة إيهامها. بقليل من الربط والتحليل تقودنا الحكاية إلى الوضع الحالي الذي وجد الناس أنفسهم فيه، معزولين ويرقبون العالم من خلال التلفزيونات والنوافذ والهواتف، بقلوب خائفة…