ميرة الجناحي
ميرة الجناحي
كاتبة إماراتية

بنتُ الإمارات.. إيمانٌ وتمكين

السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      "الغرس المثمر، والغرس الذي يحتاج إلى عناية واهتمام، هو غرس البشر، فغرس البشر والحمد لله قد غُرِس، وقد استقل الكثير منه، والباقي هو على وشك الاستقلال وعلى وشك الحصاد" الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه.        منذ بداية تأسيس دولة الإمارات، كان الإنسان هو اللّبِنة التي أراد أبونا زايد ترسيخها لبناء هذا الوطن، والأساس الذي أراد أن تقوم الدولة على ساعدَيه. لقد أدرك أن "بناء الإنسان" هو المبتدأ والمنتهى، وكان يعي برؤيته الثاقبة أن العمران والموارد المادية - مهما بلغت قيمتها - تظلّ عاجزةً عن الصمود والتطور ما لم تستند إلى عقولٍ واعيةٍ وهممٍ وطنيةٍ قادرةٍ على النهوض والابتكار. وما كان لهذه اللّبِنة أن تُقيم هذا الصرح العظيم دون إيمانٍ عميقٍ بابنته يماثل إيمانه بابنه، وثقةٍ في طاقاتها وقدراتها التي تمكّنها من صُنع أثرٍ فارقٍ في بنيانه. "أملي في اليوم الذي أرى فيه الطبيبة والمهندسة والدبلوماسية بين فتيات الإمارات"      هكذا غرس إيمانه وثقته في نفسٍ كانت تنمو مع نمو الوطن وتترعرع بين جنباته، فكانت مستحِقةً للإيمان وعلى قدر الثقة، تلك الثقة التي أثمرت جيلًا من الرائدات والقياديات اللاتي لم يكتفين بترك بصمةٍ عميقةٍ فحسب، بل ساهمن بفاعليةٍ في صياغة الهوية المجتمعية والفكرية والثقافية والتنموية للدولة. فأما الإقبال…

بارانويا وطنية

الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: استعداء الدول والشعوب ليس من الوطنية في شيء! فالترصّد لكل كلمةٍ ولكل منشورٍ، وتحويره للوصول إلى استنتاجٍ مسبّقٍ في ذهن صاحبه، ليس فطنةً ولا ذكاءً. نعم، هناك كارهون ومضلِّلون وخبثاء، لكن البعض يصل به الأمر إلى مرحلةٍ سامةٍ من التوجّس والوهم. ومنصاتُ التواصل الاجتماعي بيئةٌ خصبةٌ لمثل هذا السلوك! فالمُشاهَد أن البعض غارقٌ في حالةٍ من السخط المستمر وتخوين الآخرين، مما يُفقد الخطاب العام عقلانيته، فيغدو عبئًا على المجتمع بدلًا من أن يكون حائط صدٍّ له.      إن الوعي الفكري الناضج يعني الفهم العميق للواقع والتحديات، مع الحفاظ على الاتزان النفسي والعقلاني. أما تحويل كل كلمةٍ أو موقفٍ عابرٍ إلى "مؤامرةٍ" ونيّةٍ مبيّتةٍ للإساءة، فهو هدرٌ للطاقات، واستنزافٌ للجهد الوطني في جبهاتٍ وهميةٍ لا طائل منها. يحدث هذا عندما يدخل الشخص إلى منصات التواصل بحكمٍ مسبَقٍ مفاده "أنه مستهدَفٌ وأن الآخر عدوٌّ بشكلٍ أو بآخر"، مما يجعله فريسةً سهلةً للانحياز التأكيدي، وما يرافقه من حساسيةٍ مفرطةٍ، فيعمد إلى ليّ أعناق النصوص والمنشورات لتعزيز ظنونه وتأكيد ذلك الحكم.     إن استعداء الآخرين بسبب زلة لسانٍ هنا أو منشورٍ هناك يضر بالروابط والمصالح المشتركة التي تجمعنا دولًا وشعوبًا. والعقلانية تقتضي استيعاب الاختلافات والخلافات، وردّ الإساءة أو التضليل بالحجة، كما تتطلب الترفّع والتغاضي الذكي، لا تضخيم الصغائر…

ليسوا مجرّد عابرين

السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      كنتُ في محل عطور ذات يوم. لم أفعل الكثير خلال كلامي مع الموظف، تلطّفتُ في حديثي وابتسمتُ فقط. قال لي قبل أن أخرج: مثلكِ (يحلّي) يومنا المليء بجمود ورسمية الزبائن. وأهداني حينها الكثير من الدعاء الطيب.      موقفٌ عابرٌ وغير استثنائيّ - حدث منذ بضع سنوات - ومثله مواقف عديدة ومختلفة يتجاوزها بعضنا بمجرد انتهائها. لكن، هل فكرنا أن نتوقف قليلًا ونتمعن فيها وفي هؤلاء العابرين؟ في تأثيرنا عليهم أو تأثيرهم علينا. يحيلنا مفهوم "أثر الفراشة" (Butterfly Effect) إلى كيفية قيام لفتاتٍ صغيرةٍ في السلوك أو البيئة بإحداث تأثيراتٍ واسعةٍ وعميقة.      ولعلي أستعير هذا المفهوم في المواقف العابرة التي نمر بها مع من نعتبرهم غرباء، والتي تترك أثرًا قد يرافقنا أو يرافقهم لفترة طويلة، ليذكّرنا بانعكاس اللطف، وبأن الإنسانية مساحةٌ مشتَرَكةٌ نتبادل فيها الدفء دون تخطيط، ويُخلِّف كلٌّ منا شيئًا جميلًا في روح الآخر. بعبارةٍ أخرى، نحن نحمل طاقاتنا معنا أينما حللنا، وبإمكان سلوكٍ دافئٍ وشفافٍ أن يغيّر إيقاع المكان ويمنح الآخرين شعورًا بتقديرٍ إنسانيٍّ خالصٍ يستحقونه.      من ناحية أخرى، نحن نغفل أحيانًا عن حقيقة المكابدة الحياتية التي يخوضها الآخرون وكم تُجهِدُهم أيامهم، وعن حاجتهم لتَرْبيتَةٍ نفسيةٍ بسيطةٍ في لحظةٍ ما من يومهم، فكلمةٌ طيبةٌ أو ابتسامةٌ غير متكلّفة…

قربانٌ على مذبح الصبر

الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      قرأتُ منشورًا لأحد الأصدقاء، يطرح فكرةً جديرةً بالاهتمام والتفكيك، فحواها أن الصبر هو مقياس الحُبّ والسعادة في العلاقات، كصبر الزوج على زوجه، والأم على تربية أبنائها، والأب على مشاق العمل ومتطلبات الحياة.      وضرب الكاتب مثالَين: أولهما حادثة قصعة الطعام التي أوقعتها أمنا عائشة غيرةً، ورد فعل رسولنا الكريم الصبور والمتفهّم، وثانيهما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح التي ذُكِرَت في القرآن الكريم، والتي وضع فيها العبد الصالح الصبر شرطًا رئيسًا للسماح لسيدنا موسى باتّباعه. مرتبة الصبر في سلم الأولويات:      في تقديري، لا تستقيم الحياة الزوجية بالصبر فقط، فالصبر وحده ليس مقياسًا ولا أولويةً ما لم يرتبط بمعايير أخرى، كرصيد الطرف الآخر، وطبيعة السلوكيات والمواقف التي نواجهها.      إن العلاقات الإنسانية تُبنى على التراكم والتبادلية، وحين يبدر خطأٌ أو مسلكٌ مسيءٌ من شريكٍ يملك رصيدًا من المودة، والتفهم، والدعم الممتد، يكون الصبر هنا مظهرًا من مظاهر الوفاء والتقدير لـ "المعدن الأصيل". أما الصبر على شريكٍ رصيده فارغ، أو شحيحُ المودة، فإنه يتحول إلى استنزافٍ مجانيّ، وأشبه بمن يستثمر في أرضٍ بورٍ لا تثمر شيئًا.      من زاويةٍ أخرى، فإن الصبر كقيمةٍ أخلاقيةٍ محمودٌ ومطلوب، لكن دون إطلاق، إذ لا يمكن إسباغ صفة "الفضيلة" على سلوكٍ ينال من إنسانية الإنسان أو…

الجوهرُ الثابت

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      سألتني ابنتي - كثيرةُ الأسئلة - ذات يوم: ماذا لو ناديتكِ (ميرة)، وليس (ماما)؟! كانت المرة الأولى التي أسمع فيها ابنةً تنادي والدها باسمه، في مسلسل (ليالي الحلمية)، حيث دأبت (قمر) على مناداة (زينهم) باسمه المجرّد.      لم يبدُ لي الأمر حينها مستهجَنًا، رغم أنه غير مألوف ويكسر القالب الاجتماعي المعتاد، ولم أتوقف عنده كثيرًا، ولا عند مواقف مشابهة تكررت لاحقًا في القليل من الأعمال الفنية.      لكنني توقفت أمام سؤال ابنتي. كنت أعلم أنه سؤالٌ ضمن الكثير مما يزدحم به رأسها، وقد لا يتكرر طرحه، لكنني وجدت نفسي أتمعّن في أبعاد السؤال: ماذا لو نادتني (ميرة) وتراجعت (ماما) إلى الخلف؟! ما معنى (ماما) أصلًا؟!      هل هي تعريفٌ يحدد صلة هذه البنت بي وبالعالم، كوني ملاذها الأول الذي تنضوي في حضنه؟ أم استحقاقٌ نابعٌ من تحمل مسؤولية الوفاء بمتطلبات هذه الرسالة من رعايةٍ وتربيةٍ والتزامٍ حقيقيٍ تجاهها؟      أفهم بالطبع أن البعض قد يستشعر من سؤال ابنتي رغبةً في التمرّد أو نزعةً لإسقاط الهيبة، لكنني لم أشعر بهذا، فلعلها – بحكم مرحلة المراهقة التي تعيشها - أرادت أن تختبر شعور الندية معي، أن تقترب مني خطوةً خارج إطار الواجبات والحقوق التقليدية بين الأم وابنتها، أو ربما رأت فيّ مساحةً…

الألم .. جرس الإنذار الرحيم

الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       (من تعلّق بشيءٍ عُذِّبَ به) .. تُطرَح هذه العبارة غالبًا في الخطاب الوعظي أو التوجيهي كتحذيرٍ صارم، مما يوحي بأن "التعلّق" مجرد قرارٍ طائشٍ اتخذه الشخص بكامل إرادته، ويستحق عليه هذا العذاب كعقوبة! إلا أن الحقيقة النفسية والإنسانية أعقد بكثير، فالتعلّق في سياق العلاقات الإنسانية، وإن بدا مرتبطًا بسلوكياتٍ إرادية، هو في جوهره اضطرابٌ قهريٌّ، يقود صاحبه عنوةً ويوجّه تصرفاته. وما يبدو في ظاهره نزعةً للالتصاق والتضييق، والتحكم والسيطرة، يخفي في أعماقه هشاشةً وضعفًا، وتوجّسًا وانكسارًا. يرى عالم النفس جون بولبي John Bowlby، مؤسس نظرية التعلّق، أننا منذ طفولتنا الأولى نحتاج إلى “قاعدة آمنة” نستمد منها الأمان العاطفي والاستقرار النفسي، ولأننا كأطفال رُضّع لا نملك ترف اختيار "نمط ارتباطنا" فإننا نستجيب تلقائيًّا لمدى توفر أو غياب تلك "القاعدة الآمنة"، فإذا تلاشت هذه القاعدة لأيّ سبب، كالفقد أو الإهمال أو التذبذب في المعاملة أو الحرمان العاطفي الشديد، وقفنا أمام ذلك عاجزين عن تنظيم مشاعرنا داخليًا، فنكبر ولدينا قناعة عميقة بأن العالم مكانٌ غير آمن، وأن الآخرين لا يمكن الاعتماد عليهم، وأننا نحن أنفسنا لا نستحق الحب. وهنا يتعين الاستدراك، فالإخلال بالقاعدة الآمنة لا يشترط أن تسبقه نوايا سيئة أو إيذاء متعمّد، إذ قد تحدث الإساءة العاطفية لأسبابٍ غير مقصودة، كغياب الوعي الوالدي، وعدم امتلاك الأدوات…

إرثٌ فطريٌّ وتشريعٌ حضاريّ

السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       في حين شدَّدت استراتيجية الأمم المتحدة على ضرورة رفع مستوى الوعي باحترام حقوق الإنسان، ونبذ التمييز، وترسيخ قيم التعايش، وقبول التنوع، وفهم الثقافات والأديان الأخرى وتعزيز الحوار بينها، واتخاذ الإجراءات العملية في سبيل ذلك، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد قطعت شوطًا طويلًا في هذا المضمار قبل ذلك بعقود.      فالتسامح، والتعايش، والانفتاح على المختلف، ونبذ التمييز والكراهية، قيمٌ متأصّلة في مجتمع الإمارات منذ ما قبل الاتحاد بسنوات طويلة، وللباحث ثاني بن عبدالله جهدٌ مشكورٌ ومقاطعٌ مرئيّةٌ متنوعة تشهد على واقع التعايش والود الذي كان سمةً للإماراتي منذ القدم، حتى في تعامله مع البعثات الطبية ذات الطابع التبشيري التي وفدت إلى المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي أقرّت لإنسان الإمارات بالود والانفتاح واحترام الآخر، رغم عجزها عن تحقيق مهمتها التبشيرية.      وهذا يعني أن التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة لم يكن وليد استراتيجياتٍ حديثةٍ أو شعاراتٍ طارئة، بل هو سلوكٌ فطريٌّ وثقافةٌ متجذرةٌ في وجدان الإنسان الإماراتي منذ القِدم، دون أن يثنيه ذلك عن تمسكه التام والراسخ بهويته الإسلامية والعربية.      وليس التاريخ القريب فحسب، فقد شهد عام 1992 اكتشاف أقدم دير وكنيسة مسيحيَّين في جزيرة صير بني ياس، يعود تاريخهما إلى الفترة ما بين القرنين…

كمالٌ اصطناعيّ

السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      هل لاحظتم مثلي بعض المقالات والنصوص المنشورة التي تحمل نمطًا متكررًا وتوافقًا شبه تام على استخدام مفرداتٍ بعينها، وتراكيب محددة، وصِيَغٍ ثابتةٍ؟      شخصيًا أصبحت أراها إحدى علامات استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد النصّ. والمشكلة لم تعد تتعلق بالاستعانة بهذه التقنية، بقدر ما باتت تكمن في الكسل العقلي - الذي تحدثتُ عنه سابقًا - والذي يظهر أثره في هذه النصوص. قد أجهل آلية عمل الذكاء الاصطناعي بدقة، لكن يقيني أنه ليس ذكيًا بالقدر الكافي الذي يؤهله لإنتاج نصوصٍ تتسم بثراء المفردات وتنوّع التراكيب، والغالب - في ظني - أنه يستخدم الألفاظ والأساليب الأكثر رواجًا بفعل تكرار النشر، لتقديم (منتج) واحد بصياغاتٍ مستنسَخة. والحاصل أن بعض الكتّاب ينساق خلف هذا (المنتج) برضوخٍ تام، يخلو من المراجعة والتمحيص، ناهيك عن تحفيز الذكاء الاصطناعي على الإبداع! والنتيجة أننا بتنا نقف أمام نصوصٍ مُعلّبة تتبع نسقًا هندسيًّا رتيبًا وكأنها سُبِكَت في قالبٍ واحد. الذكاء الاصطناعي واقعٌ لا مفر منه، وهو - كأيّ وسيلة - ينفع ويضر بحسب طبيعة استخدامه. وقد تحدثت سابقًا عن الاستخدام المنضبط، من حيث المراجعة الإملائية واللغوية، أو تنسيق الأفكار، أو البحث عن معلومات محددة، حيث يبقى هذا في حيّز القبول ما دام الكاتب يتعامل معه بوعيٍ وعقلٍ نقديٍّ حاضر، فلا يمكن - على…

ذكاءٌ بلا وعي، ورِفقةٌ بلا وجود

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست : BRB ... لا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها هذا المصطلح!      كان غارقًا في بئر النسيان إلى أن أظهره إلى السطح مرةً أخرى، الدكتور عبدالله السفياني - الكاتب والمفكر السعودي - في سياق كلمةٍ له خلال المؤتمر الدولي للغة العربية والذكاء الاصطناعي، والتي دارت حول ما يفعله الذكاء الاصطناعي برؤيتنا للوجود.      إلا أنني أذكر جيدًا أنني لم أستسغه يومًا. فأول مرة رأيته أمامي كان مكتوبًا بالحروف العربية، واختلط عليّ الأمر حينها بسبب غياب التشكيل، فقرأته: (بِرَبّ) معتقدةً أنه يتعلق على نحوٍ ما بالله! وغرقت في حيرة آنية، لعجزي عن ربط ما فهمته بسياق المحادثات التي كنت أطالعها!      إلى أن اكتشفت أنه لفظٌ مُعَرَّب للاختصار (BRB)، والذي يعني: (Be Right Back) أي (سأعود حالًا).      كانت هذه العبارة - كما ذكّرنا الدكتور عبدالله - تستخدم من قِبَل روّاد (الماسنجر) وقنوات المحادثة كإشارة إلى الابتعاد عن الجهاز، لسببٍ ما، ومن ثَمّ العودة لاستئناف المحادثة، أما اليوم، ومع ظهور الهواتف المتحركة الذكية، وتطور وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها المتنوعة، فقد اختفى هذا المفهوم تمامًا. لماذا؟ لأننا ببساطة.. لم نعد نبتعد عن الأجهزة!      لقد أصبحت أجهزتنا ملاصقةً لنا، أو لعلنا نحن الذين أصبحنا ملتصقين بها، تكاد لا تفارقنا إلا وقت النوم،…

الحاضر الذي لا يغيب

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       جاءت احتفالية تكريم الفائزين في جائزة المقال الإماراتي في دورتها الثانية – التي شُرِفْتُ بعَرافَتِها - مفعمةً بالجمال، والأبهى أنها حملت معها ألقًا ثقافيًا مؤثرًا أضفاه حضور سمو الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، إذ تأتي رعايتها الكريمة للحفل ترسيخًا لنهجها المعهود في دعم الساحة الثقافية، ورعاية أهل الفكر وحملة الأقلام.      ومع اعتزازي بالمحطات المتنوعة التي تناولتها سمو الشيخة الدكتورة شما في كلمتها، إلا أن إشارتها لصفحة (رأي الناس) في صحيفة الاتحاد قد لامست قلبي، وأثارت شجوني، وأحيت ذكرى مرحلة لطالما حنَنْت إليها، تلك الصفحة الغنية التي أُنشئت في تسعينيات الألفية الماضية، وخُصِّصَت حصرًا لاحتضان كتابات قرّائها.      وقد وصفت سمو الشيخة الدكتورة شما صفحة (رأي الناس) - في كلمتها خلال الحفل - وصفًا بالغ الدقة حيث قالت إنها "تحولت إلى ما يشبه مرآة يومية يرى الناس فيها أنفسهم وأحلامهم وأسئلتهم الصغيرة، التي كانت في حقيقتها أسئلة مجتمع كامل."      كنا مجموعةً من الهواة - أنا على الأقل - وجدنا في (رأي الناس) رحابةً اتسعت لأقلامنا البكر، فكتبنا مقالاتٍ، وطرحنا أفكارًا، وتناقشنا وتجادلنا، جمعنا على ذلك حب القلم والكلمة.      وقد بلغ اهتمام القائمين…

انحلالُ عقدٍ لا فناءُ نسيج

السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      نُشرت تغريدةٌ عبر منصة إكس قبل أيامٍ، موجَّهة إلى معالي رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، تشكو كثافة نشر أخبار الطلاق في الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تهدف - حسب رأي الكاتبة - إلى إثارة الرأي العام، وقد استنكرتْ التغريدةُ التركيز على ما وصفته بـ (الزوايا السوداوية)، محذرةً من أن الاستمرار في تكثيف تداول هذه الأخبار ينعكس سلبًا على المجتمع، ويشوّه الصورة الذهنية للحياة الأسرية لدى الشباب والفتيات، حيث يتعارض هذا - في رأيها - مع مبادرة (عام الأسرة)، وتوجّهات الدولة الرامية إلى تعزيز الاستقرار الأسري وتشجيع الزواج.      وعلى الرغم من تعقيبي سابقًا على تلك التغريدة، إلا أنني أجد من الضروري معاودة تسليط الضوء على هذا الطرح، كونه يمثل نمطًا فكريًّا شائعًا في عموم المجتمع تجاه قضية الطلاق، وما يكتنف تناولها المجتمعي والإعلامي من مغالطات وتضخيم. وقبل الاسترسال، فإنني أتفق مبدئيًا مع الجزئية المتعلقة بالاعتراض على طرح قضايا الطلاق بهدف الإثارة وصناعة الجدل من أجل التفاعل والمشاهدات، ورأيي أنه تجربةٌ إنسانيةٌ محضة، لا يليق اختزالها في زوايا الإثارة أو التعاطي معها باستخفاف.      لكن ما استوقفني هو ربط الموضوع بـ (عام الأسرة)!، وأن تداول حالات الطلاق إعلاميًا يشوّه الصورة الذهنية للحياة الأسرية لدى الشباب والفتيات!      وكأن البيت الذي يقطع فيه الطلاق…

الإمارات وأوبك.. من خيار التأسيس إلى استحقاق الريادة

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       أثار خروج الإمارات من منظمتَي (أوبك) و(أوبك +) ردود فعلٍ واسعة كانت الصدمة سمتها الأساسية، وتباينت بين المفاجأة والاستياء، وهو أمرٌ مفهوم في ظل تعقيدات المصالح الاستراتيجية، وحسابات الربح والخسارة في سوق الطاقة العالمي.      إلا أن المؤكد الذي لا جدال فيه هو أن هذا القرار السيادي غير موجّه ضد أحد، فبعد عقودٍ طويلة من الإسهامات الكبيرة والتضحيات الأكبر التي قدمتها الإمارات خلال عضويتها في المنظمتين، حان الوقت لإيقاف تلك التضحيات، والتركيز على المستهدفات التنموية، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.      وفي هذا السياق، جاء مقال معالي يوسف العتيبة، سفير الدولة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، المنشور في صحيفة (فايننشال تايمز) مؤخرًا، جليًّا ومتّسمًا بشفافيةٍ عالية، إذ ترجم واقعية القرارات الإماراتية وتطورها تبعًا لكل مرحلةٍ تمر بها الدولة، وأحسبُ أن هذا هو ديدن كل دولة تتمتع باستقلالها الاستراتيجي وتضع مصالحها الوطنية في صدارة أولوياتها.      لقد عبّر العتيبة عن الموقف الإماراتي بتصالحٍ تامٍ مع الماضي، وبحزمٍ لا يقبل التأويل أو المجاملة مع الحاضر والمستقبل، حيث كتب: " ...كنا دولة فتية يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على عائدات النفط. كان إطار عمل أوبك - الذي يرتكز على الإدارة الجماعية للإنتاج، والانضباط المشترك، والتسعير المنسق - مناسبًا لدولةٍ حديثة العهد بأسواق الطاقة الدولية…