بنتُ الإمارات.. إيمانٌ وتمكين

آراء

خاص لـ هات بوست:

     “الغرس المثمر، والغرس الذي يحتاج إلى عناية واهتمام، هو غرس البشر، فغرس البشر والحمد لله قد غُرِس، وقد استقل الكثير منه، والباقي هو على وشك الاستقلال وعلى وشك الحصاد”

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه.

     منذ بداية تأسيس دولة الإمارات، كان الإنسان هو اللّبِنة التي أراد أبونا زايد ترسيخها لبناء هذا الوطن، والأساس الذي أراد أن تقوم الدولة على ساعدَيه. لقد أدرك أن “بناء الإنسان” هو المبتدأ والمنتهى، وكان يعي برؤيته الثاقبة أن العمران والموارد المادية – مهما بلغت قيمتها – تظلّ عاجزةً عن الصمود والتطور ما لم تستند إلى عقولٍ واعيةٍ وهممٍ وطنيةٍ قادرةٍ على النهوض والابتكار.

وما كان لهذه اللّبِنة أن تُقيم هذا الصرح العظيم دون إيمانٍ عميقٍ بابنته يماثل إيمانه بابنه، وثقةٍ في طاقاتها وقدراتها التي تمكّنها من صُنع أثرٍ فارقٍ في بنيانه.

“أملي في اليوم الذي أرى فيه الطبيبة والمهندسة والدبلوماسية بين فتيات الإمارات”

     هكذا غرس إيمانه وثقته في نفسٍ كانت تنمو مع نمو الوطن وتترعرع بين جنباته، فكانت مستحِقةً للإيمان وعلى قدر الثقة، تلك الثقة التي أثمرت جيلًا من الرائدات والقياديات اللاتي لم يكتفين بترك بصمةٍ عميقةٍ فحسب، بل ساهمن بفاعليةٍ في صياغة الهوية المجتمعية والفكرية والثقافية والتنموية للدولة.

فأما الإقبال على التعليم فلا يخفى على أحد، والكلام عن تفوقها فيه يُعَدّ من المسلّمات التي لا جدال فيها.

     وأما في سوق العمل، فقد خرجت متسلّحةً بعلمها وشهاداتها إلى كافة المجالات، لم يُعِقْها عائقٌ، ولم تُخِفْها ساحةٌ جديدةٌ لم يَعْتَدِ المجتمع على ولوج المرأة إليها، بل تجاوزت القطاعات التقليدية، وارتادت بثقةٍ واقتدارٍ مجالاتٍ أكثر رحابة، من القضاء والعمل العسكري والدبلوماسي، إلى هندسة الطيران والعلوم الفضائية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.

     ولم يكن هذا الخروج إلى ساحات العمل شكليًّا أو صوريًّا، بل كان نابعًا من وعيٍ عميقٍ بالطاقات والقدرات، فأقبلت متسلحةً بالعلم المتين، والقدرة على منافسة أعلى المعايير القيادية والإدارية، مما جعل مشاركتها قيمةً مضافةً حقيقيةً لا استكمالًا لنسب المشاركة فحسب.

     لذا نجدُ المرأةَ الإماراتيةَ في كل قطاعٍ بارزةً، مؤثرةً، تسطّر حرفًا وتترك أثرًا في مسيرة الوطن، لتبقى بنت الإمارات حاضرةً في قلب المشهد التنموي، ومشارِكةً أصيلةً في صياغة المستقبل.

     لم يكن هذا ليتحقق لولا ذاك الإيمان الأول الذي غرسه الباني المؤسس في بناته، تسانده في ذلك “أم الإمارات” سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، ثم انتهجه من بعده أبناؤه استكمالًا لمسيرة بناء الإنسان، ليُترجَم هذا الفكر من خلال بيئةٍ تشريعيةٍ ومجتمعيةٍ واعيةٍ، كفلت لها الحماية والرعاية، والتقدير والتمكين.

     لذلك كان بديهيًا أن تُقام المؤسسات الداعمة للمرأة، بدءًا بجمعية نهضة المرأة الظبيانية، ثم الاتحاد النسائي العام الذي ترعاه سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، مرورًا بالمؤسسات والهيئات والجمعيات المعنية بشؤون المرأة في مختلف إمارات الدولة، مع فتح أبواب المؤسسات والجهات الاتحادية والمحلية والخاصة كافةً أمامها، وصولاً إلى صياغة القوانين الداعمة لتمكين المرأة، وتحقيق التوازن بين الجنسين والمساواة في الأجور، لتشكل منظومةً قانونيةً ورسميةً تحتضن طموح بنت الإمارات، وترعاه، وتوجهه.

     ومع كل هذا الحماس والدعم، لم يغِبْ عن ذهن القيادة التأكيد على أن عمل المرأة هو “حقٌّ” في المقام الأول، يقابله “حقُّ عدم العمل”، وهو ما عبّر عنه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان حين قال: “العيب ليس في عدم عمل المرأة، العيب هو عندما ننقص من حق المرأة” في إشارةٍ واضحةٍ إلى حق المرأة الإماراتية في اختيار الطريق الأنسب الذي يلائم تطلعاتها، وأن طموحاتها – أيًّا كان موقعها – ستظل محل تقديرٍ ومساندة.

     فالتمكين الحقيقي لم يكن يعني فرض نمطِ حياةٍ واحدٍ، أو إكراه المرأة على القالب المهني كشرطٍ وحيدٍ لاكتساب القيمة والتقدير، بل يعني منحها إرادة الاختيار الحر دون إملاءٍ أو وصاية. وبهذا الفكر المتوازن تتجلى حكمة القيادة في فهم “الكرامة الإنسانية”، فالإمارات لم تمكّن المرأة لتكون مجرد رقمٍ في سوق العمل، بل مكّنتها لتكون إنسانًا حرًا، مقدَّرًا، وواثقًا في كافة خياراته.

     واليوم لم يعد حرص الإمارات مقتصرًا على تثبيت أقدام بناتها على أرضها فقط، بل أضحت تصدّر رؤيتها للعالم، إيمانًا بضرورة تمكين المرأة، ليس محليًا فحسب بل عالميًا، واضعةً “تمكين المرأة وتحسين جودة حياتها” في صميم سياساتها الوطنية والخارجية.

     ونحن مقبلون على الاحتفاء بيوم المرأة الإماراتية، تحت شعار “بنظهر الأقوى والأفضل” لم تعد بنت الإمارات مجرد قصة نجاحٍ محليةٍ يُشارُ إليها بالبَنان، بل أصبحت سفيرةً لنموذجٍ حضاريٍّ يثبت للعالم أجمع أن تمكين المرأة ليس مجرد شعارٍ حقوقيّ، بل هو شرطٌ أساسيٌّ لتحقيق استقرار المجتمعات، وازدهار الشعوب، وصناعة السلام المستدام.

وآخِر القول:

إلى “أبوي زايد”: بناتك على قدر إيمانك وثقتك، ولم يخيّبن ظنّك.