خاص لـ هات بوست:
محاضرةٌ ثريةٌ استمعتُ إليها عبر يوتيوب للدكتور عماد رشاد عثمان ضمن سلسلةٍ قصيرةٍ عن “تنظيم المشاعر” تناولت في جزءٍ منها التعرّف على المشاعر وتقييمها على نحوٍ متّزن ومتناسب مع الأحداث والمواقف.
وفي سياق شرحه لنماذج من المشاعر المختلفة، استوقفتني إشارته إلى الحسد، إذ تناوله من زاويةٍ تستحق التفكّر، حيث فسّره في البداية بأنه “الرغبة فيما يمتلكه الآخرون، وتبدأ بوخزةٍ من الحقد، ثم تتصاعد إلى تمنّي زوال هذه النعم عنهم”، ورغم أن الغيرة والغبطة مرحلتان سابقتان للحقد وما يليه فإنهما لا يحجبانه بالضرورة، ليخلص في النهاية إلى أن الحسد شعورٌ عامٌ يعترينا “جميعًا”.
لطالما اعتقدتُ أن الحسدَ أمرٌ مذمومٌ بالمطلق، ويقدح في سلامة القلب ومكارم الأخلاق، إلا أن الدكتور عماد أشار إلى زاوية أخرى لم أفكر فيها من قبل، وهي أن الحسد ليس مذمومًا في ذاته، وأنه شعورٌ قلبيٌّ لا يترتّب عليه ما نؤاخَذُ به ما لم يتبعه سلوك.
وبناءً على هذا، فالمذموم ليس “شعور” الحسد المجرّد، بل “شرُّ الحسد” الذي يتأتّى إن تحوّل هذا الشعور إلى سلوكٍ مؤذٍ.
إن فهم شعور الحسد من هذه الزاوية، ومن ثَمَّ الإقرار به وقبوله والتصالح معه – والكلام للدكتور عماد – يقينا من إشكالاتٍ عديدة، لعل أسوأها هو أن الهرب من الخزي الذي يفضي إليه هذا الإقرار، يدفعنا لإسقاطه على الآخرين كحيلة دفاع نفسي لا شعورية لنفي التهمة عن أنفسنا، وإيهام الذات بالكمال المطلق وإثبات النقاء الأخلاقي، فنبدأ بالتوجّس المبالغ فيه، والترصّد لكل كلمة طيبة، وتأويل كل إيماءة لطيفة، فيغدو الإعجاب الصادق خبثًا مُغلّفًا، والسؤال البريء حقدًا دفينًا، لينتهي بنا الأمر إلى اختلاق ساحةٍ كبيرةٍ مفعمةٍ بالكراهية نرمي فيها كل من حولنا بأسهم الظن السيء والاتهام بأنهم يحسدوننا ويستكثرون الخير علينا.
لذا لا غرابة في أن أكثر الناس خوفًا من الحسد ومبالغةً في التحرّز منه هم أولئك الذين لا يستطيعون قبول شعور الحسد في داخلهم.
تعلمنا منذ الصغر أن نبارك ما نستحسنه لدى الآخرين بقولنا: “تبارك الله” و “لا قوة إلا بالله” وكأنها رسائلُ تطمينيةٌ لهم، وإثباتٌ لحسن نوايا مشاعرنا، ونفيٌ للحسد عنا، في حين أنها في الحقيقة عباراتٌ نذكّر بها أنفسنا بأن أصل النعمة من الله، وبأن حكمته الإلهية في توزيع الأرزاق والمقادير تتجاوز استحقاقاتنا أو مقارناتنا القاصرة، ونهذّب بها شعورنا الداخلي بالحسد، ونأخذ بأيدينا إلى مساحة الرضا والتسليم.
إن هذا الفهم لا يشرعن الحسد، بقدر ما يعيده إلى حجمه الطبيعي كحالة إنسانية تعتري البشر، ويتيح لنا التعامل مع أنفسنا بوعيٍ ورحمةٍ وتسليم، دون الوقوع في فخ الخزي أو توجيه أصابع الاتهام للآخرين، ويساعدنا على إعادة اكتشاف ذواتنا لترميمها، وعلى توجيه هذا الشعور ليكون دافعًا للسعي والعمل والتطور.
وآخِرُ القول..
“اللهم لا حسد” نقولها لأنفسنا، لا لنحميها من عيون الآخرين، بل لنعصمها من شرِّ نوازعنا وطغيان حسدنا.
