من العربية… إلى العالم

آراء

خاص لـ هات بوست:

هناك فرق بين أن تتحدث عن اللغة لأن المناسبة تتطلب ذلك، وأن تتحدث عنها لأنك تحبها.

وهذا ما شهدته اليوم، الأحد 20 سبتمبر 2026، في منارة السعديات بأبوظبي، خلال الدورة الخامسة من «كونغرس العربية والصناعات الإبداعية»، الذي نظّمه مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، تحت شعار «العربية بوصفها بنية حضارية: الهوية والمعرفة والقوة الاقتصادية في العصر الرقمي».

استمعت إلى معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. كانت كلمته ارتجالية، وكان واضحًا أن وراءها علاقة قديمة باللغة وذاكرة وحرصًا صادقًا على أن تستمر العربية وتعيش. لم يكن حديثًا تفرضه المناسبة بقدر ما كان تعبيرًا صادقًا عن مسؤولية يشعر بها، وعن رغبة في أن يكون جزءًا من رحلة هذه اللغة، وأن يفتح أمامها آفاقًا جديدة.

أعادنا في حديثه إلى طفولتنا، إلى وقت لم نكن نسأل فيه كثيرًا عن علاقتنا باللغة العربية؛ لأننا، ببساطة، كنا نعيشها.

كانت حولنا في المدرسة والبيت والتلفاز. حتى الرسوم المتحركة التي جاءت من اليابان وصلت إلينا بالعربية، وأخذتنا معها إلى عوالم بعيدة عما كنا نعرفه.

وعندما ذكر «حكايات عالمية»، عادت معي سنوات كاملة.

كنا أطفالًا نتابع تلك الحكايات من دون أن نفكر من أين جاءت، أو بأي لغة كُتبت أول مرة. عرفنا من خلالها قصصًا وشعوبًا وثقافات مختلفة، وتعرّفنا إلى شيء من الأدب العالمي، لكن كل ذلك وصل إلينا بالعربية. أحببنا الحكايات، وبقي بعضها في ذاكرتنا حتى اليوم.

وربما كانت هذه هي الفكرة التي أراد معاليه أن يصل إليها حين انتقل من ذكريات ذلك الجيل إلى جيل اليوم. فالأدوات تغيّرت، ووسائل الوصول إلى الأطفال والشباب تغيّرت معها؛ ولذلك لا يمكن أن نطلب من العربية أن تستمر بالأدوات نفسها التي عرفناها نحن.

تحدث عن حضور العربية في الألعاب والمناهج والمنصات، وعن صناعة المحتوى بالعربية، ودعم الكتّاب والمثقفين، وفتح مجالات جديدة أمامها. لم تكن الفكرة أن تتغير العربية حتى تواكب العصر، بل أن تتسع المساحات التي تحضر فيها؛ أن تبقى بأصالتها، وأن يجدها الجيل الجديد حيث يعيش ويتعلم ويلعب ويقرأ، وفي المحتوى الذي يشاهده ويتفاعل معه ويصنعه.

وسط هذا الحديث كله، قال جملة بدت بسيطة، لكنها كانت أكثر ما بقي معي.

تمنى أن يستيقظ أبناؤنا في الصباح، وألا تكون تحيتهم لأهلهم «Good morning» أو «Hello»، بل أن يقولوا: «السلام عليكم».

هنا توقفت.

لأن «السلام عليكم» ليست مجرد ترجمة عربية لتحية نقولها بلغة أخرى؛ فمعناها يحمل شيئًا مختلفًا: أن أبدأ لقائي بك بأن أتمنى لك السلام.

وهذا ما أشار إليه معاليه في حديثه عن العربية وما تحمله من قيم، في مقدمتها السلام والتسامح. وربما تبدو «السلام عليكم» عبارة بسيطة نرددها كل يوم، لكنها، في معناها، أعمق من مجرد تحية؛ فهي امتداد لقيم وهوية تشكّلتا مع اللغة وعبرها.

وربما لهذا بقيت هذه العبارة معي. فاللغة لا تعيش في الكلمات التي نتحدث بها فحسب، بل في المعاني والقيم التي تحملها هذه الكلمات من جيل إلى آخر. وحين يكون السلام أول ما نقوله للآخر عند لقائه، فإننا لا نستخدم لغتنا فحسب، بل نعبّر من خلالها عن شيء منا.

خرجت من الجلسة وأنا أفكر في أن استمرار اللغة يحتاج إلى أكثر من الحديث عنها؛ يحتاج إلى من يفتح لها أبوابًا جديدة، ويعمل ليكون جزءًا من رحلتها؛ لتكون حاضرة في لعبة الطفل، وتعليم الطالب، ومنصة الشاب، وكتاب القارئ، وفي المساحة التي يجد فيها المبدع فرصة ليقدم شيئًا جديدًا.

فالعربية لا يكفي أن تبقى بين متحدثيها. نريدها أن تصل بأصواتهم، وأن تحكي عنهم وتعبّر عنهم، وتحمل أدبهم وفكرهم وإبداعهم إلى الآخرين.

وهنا أعود إلى «حكايات عالمية». قبل سنوات طويلة، جاءتنا بحكايات من العالم وروتها لنا بلغتنا. أما اليوم، فلدينا فرصة لا تقل أهمية: أن نروي نحن حكاياتنا بالعربية، وأن تصل أصواتنا من خلالها؛ فلا تكون العربية لغة نتلقى بها ما ينتجه الآخرون فحسب، بل لغة تحمل ما ننتجه نحن أيضًا.

لقد اتسعت المساحات؛ من الألعاب والمنصات والتقنيات والصناعات الإبداعية إلى صناعة المحتوى والكتب والفنون. واتسعت معها قدرة العربية على حمل حكايات متحدثيها وتجاربهم إلى الآخرين.

وهذا ما يجعل دعم الكاتب والمثقف وصانع المحتوى مهمًا. فكل واحد منهم يضيف صوتًا جديدًا إلى العربية، ويفتح لها طريقًا آخر للوصول إلى قارئ أو مشاهد أو مستمع أينما كان.

أن تبقى العربية كما نعرفها ونحبها، وأن تتسع في الوقت نفسه لكل جديد.

أن تكون محبوبة، حاضرة ومؤثرة، وأن تظل قادرة على أن تحكي عنا.

ولعل أجمل ما بقي معي من حديث اليوم كلمتان نقولهما كل يوم، وربما لا نتوقف كثيرًا عند ما تحملانه:

السلام عليكم.