خاص لـ هات بوست:
في مشهد عميق الدلالة خلال «ملتقى محمد بن راشد للقادة»، طلبت إحدى السيدات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن يوقّع لها على كتاب «الرسائل»، فأجابها سموه بأنه لا يكتب إلا باللون الأخضر.
تأملت هذا الرد، وأخذني اللون الأخضر بعيداً عن حبر التوقيع إلى ما يحمله من معانٍ في حياتنا. فالأخضر لون الأرض حين ترتوي، والزرع حين ينمو، والشجر حين يثمر. هو لون البدايات التي تحمل في داخلها وعداً بالمستقبل، ولون الأمل الذي يرافق الإنسان في رحلته نحو ما يتطلع إليه.
وللأخضر حكاية أقدم من أعمار المدن، فقد كان منذ القدم علامة يستدل بها الإنسان على وجود الماء والحياة، وحيثما وجد الماء اخضرّت الأرض، واستقر الإنسان، ونشأت الحضارات. واليوم، ونحن نعيش ما أسميه «حضارة الإمارات»، أجد في هذا اللون امتداداً لذلك المعنى الأصيل، غير أن الماء الذي ارتوت منه أرضنا لم يكن وحده مصدر نمائها، فقد ارتوت أيضاً برؤية آمنت بالإنسان، وبإرادة جعلت من الصحراء موطناً للعمران والمعرفة والفرص، حتى أصبح ما نعيشه اليوم شاهداً على حضارة الإمارات التي نعتز بالانتماء إليها.
سيدي، لعل الأخضر هو أقرب الألوان إلى حكاية عطائكم. فمن دبي التي اتسعت فيها الرؤية حتى أصبحت آفاقاً للعالم ومحوراً تجارياً وعمرانياً يربط الشرق بالغرب، إلى دولة الإمارات التي امتدت فيها بصماتكم عبر مسؤولياتكم الاتحادية؛ كان بناء الإنسان حاضراً في مسيرة البناء والعمران، من خلال إطلاق مؤسسات كبرى لتمكين الشباب وتأهيل القيادات عبر كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، وصناعة الأمل بمبادرات إنسانية عالمية تروي ظمأ المحتاجين، وتخفف آلام المرضى، وتمتد بخيرها إلى شعوب العالم، ومنصة «مدرسة» وتحدي القراءة العربي التي أضاءت عقول الأجيال.
ولعل أجمل ما في هذا الغرس أن أثره لا يُقاس بعدد المؤسسات التي أُنشئت أو المبادرات التي أُطلقت، بل بما تغيّر في حياة الناس، أفراداً وشعوباً. ففي كل عقل أضاءته المعرفة، وكل يد امتدت إليها المساعدة، وكل شاب وجد أمامه فرصة ليحقق طموحه، نرى ثمرة من ثمار هذا العطاء. فالأخضر لون الحياة، وقيمته ليست في الشجرة التي تنمو فحسب، بل في الظل الذي تمنحه لغيرها.
وأنت يا سيدي من منحت الحلم مساحة ليتحقق، ومن جعلت الطموح أكبر من حدود الممكن، حين أصبحت أفكار الأمس معالم نراها اليوم في دبي، ومنها «متحف المستقبل»، وحين أصبحت مساكن المواطنين وتخطيط المدن نموذجاً راقياً للاستقرار المجتمعي. ولم تقتصر رؤيتكم على ما تحقق من إنجازات، بل امتدت إلى الإنسان، إلى ثقته بنفسه وقدرته على الابتكار وصناعة مستقبله.
وأنا ابنة هذه الأرض، أعرف أن الأخضر ليس مجرد لون نختاره، بل حياة نعيشها. أعرف أن كثيراً مما نعيشه اليوم كان حلماً في زمن مضى، وأن المدن تكبر حين تكبر معها فرص أهلها، وأن رؤية قائد قد تصبح جزءاً من ذاكرة وطن وحكايات أبنائه. لقد كبرنا ونحن نرى ما كان يبدو بعيد المنال يتحقق أمام أعيننا، حتى أصبح الحلم جزءاً من حياتنا، وأصبح السؤال ليس إن كان ممكناً، بل متى وكيف نحققه.
وللقلم في مسيرتكم حكاية أخرى، فقد حمل أفكاركم ورؤيتكم في مؤلفات أصبحت مراجع في القيادة والإدارة وصناعة الأمل، من «رؤيتي» و«قصتي» إلى «الرسائل»، وامتد اهتمامكم بالمعرفة والثقافة إلى «مكتبة محمد بن راشد»، وباستشراف المستقبل إلى القمة العالمية للحكومات التي تجمع عقول العالم لمناقشة تحديات الغد وفرصه.
ولأن الكلمة غرس آخر، فقد كان للشعر في مسيرتكم مكانه، وللقصيدة حضورها إلى جانب القرار والبناء. فأنتم من جمعتم بين مسؤولية الحكم وشغف الشعر، وبين بناء المدن وكتابة ما يسكن الوجدان. وللعمران شواهده التي نراها، وللكلمة أثرها الذي يبقى في ذاكرة الناس. وكأن القلم الذي يكتب القصيدة هو ذاته الذي يرسم ملامح المستقبل، فكلاهما يبدأ بفكرة، وكلاهما يحتاج إلى خيال يؤمن بما لم يتحقق بعد.
وفي شعاركم، النصر والحب والفوز، أرى ما هو أبعد من إشارة للاحتفاء بالإنجاز؛ أرى فلسفة قيادة آمنت بأن النصر ثمرة الإرادة، وأن الحب أصل العطاء، وأن الفوز الحقيقي هو أن تتسع فرص النجاح للجميع. ثلاث كلمات تختصر الكثير من الحكايات التي كُتبت على أرض الإمارات، وما زالت تُكتب بأيدي أبنائها وبناتها.
والأجمل في الأخضر أنه لون لا يقف عند حدود ما أُنجز، بل يحمل وعداً بما سيأتي. فكل شجرة تبدأ ببذرة، وكل ظل تمتد تحته الحياة كان يوماً غرساً صغيراً، وكل عطاء صادق يترك وراءه ما ينمو حتى بعد مرور السنين.
وفي دعائنا الشعبي نقول لمن نحب «دربك خضر»، نرجو له طريقاً تملؤه البركة وتتفتح فيه أبواب الخير.
أما أنت يا سيدي، فقد أصبح لهذا الدعاء معنى آخر في وجداني؛ فأنت من اخضرّت بك الدروب، ودروب دبي والإمارات تحمل من غرس رؤيتكم وعطائكم ما يجعل الأخضر حاضراً في عمرانها وإنسانها وفرصها وأحلام أبنائها.
وما يمنح هذا العطاء قيمته أن ثماره لا تقتصر على حاضرنا، بل تمتد إلى أجيال لم تولد بعد. ففي كل فرصة تُفتح لشاب، وفي كل حلم يتحقق لامرأة، وفي كل فكرة تجد طريقها إلى النور، تنمو بذرة من بذور تلك الرؤية. وهكذا يصبح العطاء إرثاً حياً، لا يُقاس بما شُيّد فحسب، بل بما أتاح للإنسان أن يكونه ويحققه ويتركه من أثر لمن يأتي بعده.
فالأخضر ليس لوناً تكتب به فحسب، بل حكاية غرسٍ وعطاءٍ ونماء، نقرأ أثرها في دبي والإمارات، ونلمس حضورها في تفاصيل حياتنا.
ولعلني بعد هذا المشهد، كلما رأيت توقيعاً بالحبر الأخضر، سأستحضر أن بعض الألوان لا تبقى على الورق، بل تمتد إلى حياة الناس. وأن أجمل ما يتركه الإنسان ليس اسمه الذي يكتبه، بل الأثر الذي ينمو من بعده.
