الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦
في النفس البشرية قاعاتٌ كبرَى وكهوف ودهاليزُ لا تهدمها الزلازل الفجائية؛ بل تنحتها برودة الأيام والسنوات، وتصهرها الآلام أو الشعور بالظلم؛ فكل الأشياء العظيمة التي نظنها أبدية، وكل الروابط التي نحسبها أُسِّستْ على صخرة الاستمرارية، لتَظَل معنا طيلة الحياة، إنما هي في حقيقتها كائنات حيَّة رقيقة، تتغذَّى على قِيَم الحُب والاحترام والعطاءات، وتتنفس في فضاء التقدير، والابتعاد عن الأنانية، وتذبُل شيئًا فشيئًا حين تُقابَل بسوء المعامَلة وجفاف المشاعر. فالإنسان بطبيعته يلتقط مشاعرَ مَن حوله، ويمتلك رادارًا داخليًّا دقيقًا، يقيس به مسافة الأمان الوجداني؛ وحين يكتشِف أنه يُستنزَف، أو أن وجودَه يُقابَل بالاستخفاف، أو تعمُّد الأذى الموجَّه إليه، تبدأ روحه في الانكماش الهادئ، ويمد المسافاتِ بينه وبين الآخَر؛ لينتصر فيها لكرامته وإنسانيته، ويطوِّع ذاتَه على الانسحاب من ساحة المعركة، محمَّلًا بخساراته الداخلية الصاخبة، التي تزلزِل كيانه، يبتعد ليتحرَّى الحفاظ على ماء وجْهه؛ لتقبُّل خسارة أبدية لا رجْعة فيها. 1ــ حتى "الأمومة" - أعظم العواطف وأنقاها - تتوارَى يتشكَّل حُب الأم لوليدها - في العُرف البشري - كأنه القانون الأبديُّ، الذي لا يستثني شيئًا، فهو الملاذ الأخير، والنبع الذي لا ينضَب من التضحية المطْلقة. غير أن هذا الحُب الأطهرَ، على عظمته وسموِّه، ليس بمعزل عن قانون الروح الكوني. يحدث أن ينكمش ويذبُل حين تُقابَل الأم بالجحود والإهانة، وحين…
الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦
لطالما آمنَّا بأن العنوان هو العتبة الأولى للنَّص، والنافذة المُشرَعة، التي تشكّل في ذِهن المتلقي انطباعاتِه الأولى. وفي هذا السياق، يتجاوَز مطار القاهرة الدولي كونه مجرَّد مرفق لوجيستي، يستقبل أكثر من واحد وثلاثين مليون مسافر سنويًّا؛ فهو "العنوان" الأكبر للدولة، والرسالة البَصَرية الأولى، التي تبلْوِر في وجدان القادم ووعيه ما ينتظره على أرض مصر، مهْد الحضارات والفنون وعَرَاقة التاريخ. إن السائح الذي يقطع آلاف الأميال لا يرى الأهرامات أو النيل في لحظة وصوله الأولى؛ بل يلحَظ حال "الجيت تيوب" (الأنبوب الموصل) بين الطائرة وصالات الوصول، وتصميم معمار المطار وتنظيمه ونظافته، كما يواجَه بطبيعة التعامُل مع موظَّفي الجوازات والعاملين، تعقُّد الإجراءات أو سيولتها. تلك اللحظات القليلة كفيلة بصياغة "القصة" التي سيرويها عن مصر في بلاده؛ فإما أن تكون قصة انبهار ببلد يعبِّر عن هُوَيته، ويبرِزها في أجْلَى صُوَرها، بلد يحترم زوَّاره، وييسِّر لهم تجربة ممتِعة وغنية، أو قصة عشوائية تفتقِر للاتساق والتحديث. 1ــ أزمة التفاصيل الصغيرة وصدمة البداية للأسف، لا يزَال المطار – رغم أعمال التطوير الإنشائي – يعاني من قُبح بَصري وضجيج سلوكي، يعكِّر صفْوَ العابرين العام. فمن غير المفهوم أن تُترك أشياء صغيرة لتفسِد التجربة الكُلية؛ كأن يغزو الصدأ والاتساخُ المَمرَّات، بداية من "الجيت تيوب" حتى أماكن ختْم الجوازات، أو أن تضجَّ الصالات…
السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦
اعتقدتْ بعضُ الحضارات القديمة مثل: المايا والأزتيك، وبعض القبائل الاسكندنافية، والحضارات الأسيوية، بأن عليها - لتسترضي البحر الثائر الغاضب، الذي يشح بخيرات صيده - أن تهدي له "فتاة"، بِكرًا جميلة؛ وكانوا يزيِّنون هذه الفكرة للنساء؛ ليرضخن بأنهم يهَبُوا للبحر - مصدر رزْقهم - أغلى وأطهر ما لديهم. لم يقدِّموا للبحر أو الأنهار "فتًى"؛ لأن الفتى (قوة عمل)، ستخرُج للصيد، ومجابَهة الأهوال. هكذا أخرَجوا الموقِف؛ لتتقبَّل المرأة التضحية والموت. لكن خلفية اختيار القربان تعود لكون الفتاة كيانًا غير منتِج، لن تقوم بعمل الرجُل، ولن تقاوم. هل كان للفتاة أن تعترض، وإذا اعترضت؛ هل كان هناك مَن سيستمع إليها؟ الجموع قرَّرت هذا واتفقت عليه. أن تتفق الجموع على قصة أو سردية واحدة، تلك هي أكبر قوة في الحياة، وهذا هو القانون السِّري، الذي شُيدت به الأنظمة الاجتماعية، والأيديولوجيات، وأعتى الإمبراطوريات، فالتاريخ الإنساني لا يخضع للقوة المادية وحدها؛ بل يخضع بالدرجة الأولى للقوة، التي تكتسبها الأفكار حين تصدِّقها الجموع، وتُزيَّن لهم. ومن رَحِم هذه الآلية تحديدًا، وُلدت واحدة من أطول السرديات عمرًا، وأكثرها تجذُّرًا في الوعي البشري: ألا وهي سردية التفوُّق والهَيمنة الذكورية. إنها القِصة التي تحوَّل فيها "الوهم" - عبْر تراكُم القرون - إلى "حقيقة بيولوجية واجتماعية"، تُبذَل دونها الأرواح. تحوَّل…
الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦
ــ لماذا يرى الرجل- بالرغم من حصوله على قدر من العلم والثقافة، واشتغاله بمنظومة العدالة والحقوق البشرية- أن قتل طليقته التى تزوجت مرة أخرى أمر يمكن التفكير فيه وتنفيذه؟ لقد رأى الزوج السابق أن قتلها أفضل من حياتها وهى زوجه لغيره، بالرغم من أنه تزوج قبلها من أخرى!! ــ ولماذا يرى بعض الرجال الآخرين- سواء الذين على قدر من التعليم، أو من محدودى الثقافة- أن من حقهم إذا رفضت المرأة استكمال خطبتها له، أو إتمام الزواج منه، معاقبتها بالقتل أحيانا، أو الضرب والإهانة فى أحايين كثيرة، كما تشويه السمعة دائمًا؟ - ما المانع أن ترفض فتاة فى مصر أو العراق أو الأردن أو الجزائر أو أى بلد عربى الزواج من ابن عمها، أو أى رجل اختاره لها أهلها، ولماذا تُرغم على الزواج ممن لا تريد؟ هل لهذا الكائن «المرأة» فى الثقافة العربية حق الاختيار؟ وإذا حاولت الهرب من مصير لا تريده، لماذا يحق لهم قتلها، وادعاء أنهم تخلصوا منها تحت ما يسمى «جرائم الشرف»؟ - لماذا تتوالى الصفعات على وجه فتاة من شاب لا علاقة له بها؟ أليس من حقها أن ترفض أن يسبها بأقذر الألفاظ والعبارات، وأن تعلن رفضها الإساءة لها ولكرامتها بأى شكل؟ - لماذا يرى بعض الرجال أن من حقهم أن يقرروا كل شىء بحياة المرأة، متى…
الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦
ربما بدا المشهد - الذي سأقُصُّه عليكم - مركَّبًا، ويتضمَّن مبالغاته، لكنه ليس خياليًّا، ويحدُث من حولنا كل يوم، ولنا أيضًا، لذا سأقوم بسَرده: "بعد منتصف الليل، يصحو أحدهم مفزوعًا بسبب قنبلة أو مسيَّرة أو بقايا صاروخ سقطت فوق بيته، يهرول في اتجاه غُرف أولاده، ليَجِد أحدهم قد فارَق الحياة، أو جميعهم، كما تم تدمير منزله "سكنه وأمْنه". شخص آخر يذهب إلى عمله، فيُطلب منه مقابَلة المسئول عن الموارِد البشرية؛ ليُفاجَأ بأنهم ينهون خدماتِه لخفْض الميزانيات، وتقليص العمالة في معظم المؤسَّسات. شخص ثالث سيجد الشركة أو المؤسَّسة التي كان يعمل بها قد أضيرت، وخرجت عن الخدمة لوقت غير معلوم. الكثيرون يذهبون لمَد سياراتهم بالوقود؛ فيجدون ارتفاعاتٍ هائلةً للأسعار، تلتهم ميزانياتهم، ويتفاقم الوضع عندما يتوجَّهون للسوبر ماركت، فقيمة الفاتورة زادت لثلاثة أضعاف في الغالب، يتأمل الإنسان في يومه وغده شاردًا، حزينًا على ما فقَد، ويقف في مكانه حائرًا، قلِقًا من استمرار وجوده. ليقفز السؤال الأهم: لماذا يكتوي البسطاء باشتعال تلك الصراعات والحروب؟ وما موقعهم في صراعات الهيمنة، واحتكار القوة ومقوماتها بين الأقطاب؟ تكشَّفت مجموعة من المعايير الجديدة التي باتت تحكُم صراعات القوى الكبرى في العالم، بعد مسلسل وقائع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي لم تزَلْ فصولها تتوالى كل ساعة، والتي اختلفت نسبيًّا عما رصدت له في كتاب "سرديات الحروب والنزاعات.. تحولات…
الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦
أستهلُّ هذا المقال بتساؤل يراوِدني كل حين، وفي عدد من القضايا: متى نطمئن إلى أن بوصلة بعض النُّخب - "صحفيين، ويساريين، ورجال دين، وبعض الكُتاب، وبعض الأفراد المؤثِّرين"؛ أي الأصوات التي توجِّه الوعي الجمعيَ العام - غادَرت مواقعها التي تأبَّدت فيها، وتجمّدت؛ أعني متى تتحرك النُّخب لقراءة الواقع بموضوعية وعقلانية، ومراعاة للصالح العام لمصر والعرب؟ أحسَب أنه يحلو لبعضهم - حتى الآن، ودون التعلُّم من أخطاء انحيازاتهم في التاريخ - التخندُق في مساحات الوعي العاطفي السطحي، وعي الأيديولوجيات الجامدة، النمطية، والعيش في الشعارات دون تعقُّل. يهلِّل بعضهم لِما تفعل إيران منذ نهاية فبراير الماضي، تحت دعوى أنها تضرب إسرائيل وأمريكا، وتلحِق بهما الخسائر، لكنهم للأسف لا يجيدون قراءة الواقع بحنكة، ولا أبعاد المشهد كاملًا، يفتقِرون لتعدُّد مستويات النظر، فضرْب إيران لدول الخليج تعدٍّ سافِرٌ على هذه الدول بالفعل، الدول الشقيقة والأقرب لنا، ولثقافتنا، ومصالحنا. وحتى تحت ادِّعاء أن إيران تضرب القواعد والمصالح الأمريكية في هذه الدول الخليجية، إلا أنها تعدَّت عليهم بالفعل، وضربت مواقعَ ومؤسساتٍ مدنيةً، برغم تكرار تصريحات الدول الخليجية:إنها لن تسمح بخروج ضربات موجَّهة لإيران من فوق أراضيها، وأن هذه الحرب ليست حربها. لا أحد يقبْل أن تتعدَّى إسرائيل أو أمريكا على دولة إيران، على هذا النحو السافِر؛…
السبت ٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥
أنا الجَنين الذى مات فى بطْن أُمه منذ أسبوع مضَى، جنين فتاة، فى عُمر ثلاثة أشهر، قُتِلتُ حين قُتِلتْ أُمى، عروس قريةِ «مشتهر بالقليوبية»؛ (كريمة محمد صقر)، سعيدة لأننى لم ألتقِطْ أنفاسى فى عالَمِكم؛ المجتمَع الذى لا أعرف لماذا يقتُل الرِّجال فيه النساءَ؟ لماذا يَظَل رجُل يضرب زوجتَه بخرطوم المياه على رأْسِها وجسَدِها، ثم لا يتركها إلا وهى محطَّمة العظام، ومَيْتة؟ تركتُ أنا وهى هذا العالَمَ الظالِمَ، الذى لا ثمَن فيه للمرأة، ولا كرامة، ولا مستقبَلًا عادِلَا؛ حيث يتحكَّم فيها وعْيٌ جمعيٌّ، يستسيغها مقتولة، ومغتصَبة، ومنهوبة حقوقها، وعْيٌ يرَى فى النساء مِلكية خاصة للرجُل، يصبُّ فيها كل أنانيته ورغباته وفَشَله. فى الشهور القليلة الأخيرة، قطَع أحدُهم رأسَ عروسِه؛ لأنه اعتقد أنها ليست بِكْرًا، ثم لم يكتفِ بهذا؛ بل ذهَب برأْسِها إلى والدها، ثم أثبت الطب الشرعيُّ أنها لم تَزَلْ عذراءَ. والآخَر قتَل عروسَه لأنه لم يستطِع أن يُعاشِرَها، قتَلها يومَ زِفافهما؛ لعَجْزه. وقتَل ابنٌ والدتَه، فى كوفى شوب، ليتساءل الكثيرون ماذا كانت تفعل فى الكوفى شوب، لا يستنكر أحدٌ الفِعلَ؛ بل يحاولون البحث عن جريمة اقترَفَتْها الأُم. وعشرات الحالات الأخرى من الاغتصاب، وزِنا المحارم، حيث تحمِل المرأة على عاتِقِها الذنْبَ وحْدها، فتصبح هذا الكيانَ الشيطانيَّ، المنبوذ من الجميع. وأرجو ألَّا يَقُول لى قائلٌ إن…
الأحد ٠٢ أبريل ٢٠٢٣
ماذا تضطر نجمات ونجومٌ كِبار وموهوبون لتقديم أعمال درامية ليست على القدْر الفنى المناسب لتاريخهم، مسلسلات تنتقص من موهبتهم، ومن تاريخ نجاحات بعض ما قدَّموه فى السابق؟ أعمال لا جديد بها سوى اجترار وتكرار ما قدَّموه، ونال نجاحًا فى السابق. لماذا ينصاعون للمطروح من سيناريوهات سطحية، ولا يبحثون جيدًا، أو يفرضون - بثقلهم الجماهيرى وحِرص جهات الإنتاج على تواجُدهم - الجيِّدَ من نصوص ومعالجات درامية؟. لماذا استسهال الكتابة، والنزوع نحو السطحية، ومصر تمتلك طاقات جيدة من الكتَّاب المعاصرين للرواية وفن السيناريو والقصة القصيرة؟ ولماذا يأتى عدد ما يُقدَّم من مسلسلات على حساب النوع؟ الأمر فى عمقه يتعدَّى كم تنتج مصر، وتوزِّع لكافة الدول العربية، يتجاوَز هذا العدد الكبير لقيمة وجودة وعلو ما تقدِّمه مصر وفنانوها فى المجالات كافة ويليق بها!. هل يقبَل النجوم المكرَّسون بتلك النصوص الدرامية لمجرد الوجود على الخريطة الرمضانية وكفى؟ من أجْل ملايين الجنيهات السنوية التى يحرصون عليها، مهما تضخَّمت حساباتهم بالبنوك وأصولهم؟ يعالج مسلسل «جعفر العمدة» نفس أزمة صراع البطل مع أحد إخوته، وفقدان ابنه، والتى تناوَلها مسلسل «البرنس» من قبل. كما جاء مسلسل «ضرب نار» تنويعة سمجة على تيمة الثأر، وتحكُّم رأس المال المتوحش فى مصائر البَشر وعواطفهم، وفيه تتحدث البطلة والأخريات فى الأدوار الثانية بملامح الوجْه والجسد بلا رُقِى، بالعين والحاجب كما يقولون، وبعض…
الأحد ٠٥ فبراير ٢٠٢٣
سألتنى صحفية في استطلاعات نهاية 2022، عن أفضل مُحاوِر، وأفضل برنامج فكرى ثقافى؟ فكرت لوهلة، وقلت: محدودة للغاية البرامج الثقافية الجادة، رصينة الأداء، قد توجد بعض البرامج التي تشتبك مع قضايانا الفكرية الموروثة والمعاصرة بالفعل، لكنها عادة ما تميل للصخب، لوضْع المتلقى في مواجهات صارخة بين الرأى والرأى الآخَر، وإثارة الرأى العام، والصدام بين طرفَين لإشعال الحرائق والاستعراضات. وعلى عكس هذه الصورة تمامًا، يقدِّم د. سليمان الهتلان نموذجًا متفرِّدًا في برنامج «حديث العرب»، اسكاى نيوز عربية، مثقَّف عقلانى هادئ، صاحب رؤية، يَشعُر المتلقى في حواره أنه أمام إعلامى بدرجة مفكر. تمكَّن د. الهتلان من حشْد أعلامِ التنوير والعقلانية في حلقات برنامجه، حرص بكل الدأب والإصرار على المواجهة، استضاف أغلب العقول التي تقف ضد التيارات الرجعية المتسلِّفة، في حوار جادٍ، هدفه الأفكار لا الضجيج، يطرح معهم أكثر الأفكار عقلانية، وتطلُّعًا إلى المستقبل. يقدم برنامجه دفقاتِ حياة لأفكارهم، وتفسيراتهم واجتهاداتهم الفكرية، حين تُطرَح على المشهد العام، ضمن ثقافة الصورة والفضائيات، وهو ما يُزِيد من حضور وقوة تلك الأفكار، ويُخرِجها من بين صفحات الكتب للفضائيات. بقاء «حديث العرب»- طيلة هذه السنوات واستمراره، بالرغم من التهديدات التي وُجِّهت للمُحاوِر- دليلٌ على قوَّته وتحدِّيه الراسخ للرجعية، وإيمانه بمشروع فكرى يَستند إلى العقل والاعتدال، ينبذ التطرف وإقصاء الآخَر، يؤمن بالقدرات الفردية، كما يرى في التنمية حمايةً حقيقية…
السبت ٠١ أكتوبر ٢٠٢٢
هل تجسِّد بعض الكتابة السردية الحديثة حالَ الإنسان الذى يواجِه الموت فى حروب ونزاعات تنشب كل يوم، فوق أراضينا، وفى كثير من الدول حولنا، وتستحضر كيف تكون مشاعره، هل أبطال النصوص أفراد مشتتَّون لا يعرفون لمن ينتمون، ولماذا عليهم الاختيار من الأساس، وما الجدوى؟ هل لهذه الاختلافات العَقَدية - التى تصدِّرها كل طائفة فى نزاعاتها الدموية - المبرِّر لأن يجعل الكثيرين يفقدون حيواتهم وأهاليهم وبيوتهم وأمنهم وأوطانهم؟ هل تظل أطماع كل فِرقة هى المتحكمة فى الحياة تحت جحيم النيران والتهديد والفقد والحد الأدنى من الحياة، أو الفَناء فى حروب لم يختر الفرد العادى أن يخوضها؟ هل يبحث السرد حول هذا الجحيم، الذى تَبقى فيه كل الاختيارات غير ما تستهدف جماهير الشعوب أو تريد؟ هل يعالج فن السرد تلك الأحداث والوقائع، ويرصدها، أم يجسد ظلال معطيات السياق الثقافى العام، ويتأمل انعكاساته على حيوات البشر، وشخوص النصوص السردية، على بنيتهم النفسية والاجتماعية ومصائرهم، حيث لا الواقع ولا المتخيَّل يمكن أن يُمَثَّلا بصيغة المفرد. كما أنه لا الفردى ولا الجمعى يمكن أن يُمَثَّلا أيضا بصيغة المفرد. هنا يتعاظم الأمر، وتظل السردية العامة وفنياتها وآلياتها تبحث عن رؤية وجوهر وجودها، ومواكبتها للحظة تاريخية فارقة، أكثر توترا من الطبيعى، ذات إيقاع لاهث يعدو نحو النهايات، أو بالأحرى، النهايات هى التى تعدو نحو البشر، وفى لهاثها…
الإثنين ٢٨ مارس ٢٠٢٢
لم تستطع الفتاة التى لا تزيد على أربعة عشر عامًا أن تستسيغ ديوان أمير الشعراء «أحمد شوقي»، وشعرتْ بأن بينها وبين الديوان مساحاتٍ شاسعةً من الاغتراب، فهى غير معنية بكل هذا الشِّعر الذى قيل فى مناسبات شتَّى، مَلِك ومحتلِّين، حظوة ثم نفْى واتهام، أبيات تفخر، وتمجِّد، وتعارض عالَمًا بعيدًا عنها، تستعيد زمنًا غير زمنها فى الثمانينيات. ومفردات جزْلة تواجه صعوبتها، وكان أن وقَع بين يدَيها الأعمالُ السياسية الكاملة لنزار قباني، بتوالى أجزائها، لتسأل ذاتَها ما كل هذا الجمال؟ كيف للشعر أن يلمسنا إلى هذا الحد، أن يقترب بنا حَدَّ التوحد، أن يمتعنا بصياغاته وجرأته ووضوحه، كيف له أن يصدمنا ويعرِّى الحقائق أمامنا بيُسر وجمال، يشير إلى الظلم الذى يقع على المرأة. ويكشف الواقع السياسي، والاجتماعي، وعواطف الإنسان، المرأة والرجُل، وحالات كثيرة شتى بينهما، من أين وُهب هذا الشاعر القدرة على أن يعبِّر عنَّا، ويرينا ذواتنا، وخلل علاقات الواقع من حولنا، يبهرنا بتلك المفردات القريبة منا، ويضعها فى تراكيبَ بديعةٍ، وصور حية، لا نشعر معها بمسافات، أو صعوبات فى اللغة أو الأفكار أو الصور، مَن هذا الشاعر الذى يبوح ويواجه ويصدم؟، يستعير لسان ومشاعر المرأة؛ فنشعر كأنه يسكن بالغرفة الملاصقة تماما لقلوبنا!، وقد وُلد نزار -شاعر الحب والمرأة، والاشتباك مع الواقع السياسي. والقدرة على الوصول إلى أكبر قطاع من الجماهير العربية-…
السبت ١٩ فبراير ٢٠٢٢
حرصًا على اللغة العربية، ودعمًا لتعزيز حضورها، وألَّا تُصبح مهجورة بين أهلها، أو يشعر أطفالها وشبابها بصعوبتها وجمودها، فيتركونها - للُغات أخرى لا تجسِّد هُوَيَّتَهم - بكل عناصرها التاريخية والمعاصرة، عَقَدَ «مركز أبوظبى للُّغة العربية» بالقاهرة - برئاسة د. على بن تميم، وحضور د. صلاح فضل، رئيس المجمع اللغوى المصرى، وعدد كبير من المتخصصين والعلماء والإعلاميين المصريين والإماراتيين والعرب - النسخةَ الثانية من «الخلوة الثقافية للُّغة العربية»، ضمن أنشطة مركز أبوظبى الثقافية والتعليمية المتعددة، سعيًا لازدهار العربية، وإثراء محتواها، وبحْث كيفية دعْم تواجُدها الناصع فى مجالات متعددة، تناقَش أعضاء طاولات الخلوة - التى انقسمت إلى سِتِّ مجموعات من المتخصصين فى مجالاتهم - فى عصْف ذِهنى للخروج بتوصياتهم، حيث أُعِدت المَحاوِر على النحو التالى: اللغة العربية على جناح الإبداع والفنون، العربية فى التعليم، العربية فى المحتوى والنشر، العربية والبحث العلمى والمستقبل، العربية فى الخطاب الإعلامى التقليدى والجديد، وكانت الحلقة السادسة بعنوان إرث عميد الأدب العربى. ومنذ تمَّ اختيارى للمشاركة فى حلقة «اللغة العربية فى التعليم»، دوَّنتُ مجموعة من المقترَحات والتوصيات، التى أعتقد أنها تسهم فى عودة العربية حيويةً، مقدَّرة بين أهلها والناطقين بها: - أقترِح إنشاء صندوق عربى لرعاية اللغة العربية، باعتبارها أول عناصر الهُوَيَّة وأهمها، بحيث ينفتح على التبرعات من كل الدول العربية، لرعاية اللغة فى التعليم، وغيره من مَحاوِر،…