سعد صالح
سعد صالح
كاتب وإعلامي

هل تتغير هوية المعتدي؟

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦

  خاص لـ هات بوست :       في السياسة، قد تختلف الحسابات، وتتباين التحالفات، وتتبدل الأولويات وفقاً للمصالح والظروف. لكن ثمة مبادئ يفترض ألا تخضع لهذه التقلبات، وفي مقدمتها سيادة الدول وحقها في الأمن والاستقرار، ورفض الاعتداء عليها، أياً كانت هوية المعتدي أو الدولة المستهدفة.      فما الذي يجعل الاعتداء على دولة عربية تهديداً للأمن القومي يستدعي التحرك، وربما الاستعداد للتدخل دفاعاً عنها، بينما يتحول الاعتداء نفسه على دولة عربية أخرى إلى مسألة تحتمل الصمت أو التبرير أو البحث عن الأعذار، وفي أحسن الأحوال، الاكتفاء ببيان تضامني لا يتجاوز حدود الكلمات؟      السؤال هنا ليس عن حق الدول في تحديد أولوياتها الأمنية، ولا عن مشروعية التضامن مع دولة شقيقة تتعرض لتهديد خارجي. فهذا التضامن مطلوب، بل ضروري. إنما السؤال يتعلق بالمعايير التي تحكم المواقف، وبالحد الفاصل بين السياسة بوصفها إدارة للمصالح، والسياسة حين تتحول إلى انتقائية في تطبيق المبادئ.      لقد أثبتت التجارب أن الخطر الذي يهدد دولة عربية لا يبقى بالضرورة محصوراً داخل حدودها. فالصواريخ والطائرات المسيّرة والميليشيات العابرة للحدود ليست مجرد أدوات ضغط محلية، بل وسائل لفرض معادلات إقليمية تتجاوز سيادة الدول ومؤسساتها الشرعية.      وهنا تبرز التجربة الإيرانية بوصفها أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا النمط من التدخل. فمن لبنان إلى اليمن،…

7 أكتوبر.. حين خدم السنوار نتنياهو

السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       هل يمكن أن يتحول قرار يُتخذ باسم القضية الفلسطينية إلى فرصة سياسية يستفيد منها أكثر خصومها تشدداً؟ هذا السؤال يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، حين قرر يحيى السنوار نقل المواجهة مع إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق، من دون أن تتضح خطة سياسية قادرة على احتواء التداعيات التي ستترتب عليه.      لم يكن السنوار يعمل لمصلحة بنيامين نتنياهو، ولم يكن الرجلان حليفين. لكن التاريخ لا يحاكم القرارات بالنوايا وحدها، بل بنتائجها أيضاً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن هجوم السابع من أكتوبر أتاح لنتنياهو فرصة لتعزيز بعض خياراته الأمنية والسياسية، فيما وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام كارثة إنسانية ووطنية هائلة.      قبل الهجوم، كان نتنياهو يواجه انقسامات داخلية حادة في إسرائيل، واحتجاجات واسعة على مشروع التعديلات القضائية. وعلى المستوى الفلسطيني، اتُّهمت حكوماته باتباع سياسة تُبقي الانقسام بين غزة والضفة الغربية قائماً، بما يضعف السلطة الفلسطينية ويُبعد احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية تقود إلى قيام دولة فلسطينية.      ثم جاء السابع من أكتوبر ليقلب المشهد. في ذلك اليوم، قُتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، واختُطف 251 آخرون، وفق الأرقام التي أوردتها الأمم المتحدة. وشكّل الهجوم إخفاقاً أمنياً واستخباراتياً كبيراً للدولة الإسرائيلية، لكنه منح نتنياهو أيضاً فرصة لإعادة ترتيب أولويات…

حين يصل التطرف الى قمرة القيادة

الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:  ربما يكون السؤال الأخطر في حادثة طائرة فلاي دبي ليس كيف حاول مساعد الطيار السيطرة على الطائرة، بل كيف يمكن لفكرة متطرفة أن تصل إلى قمرة القيادة أصلاً؟ بحسب ما أعلنته النيابة العامة الإماراتية، كشفت التحقيقات أن مساعد الطيار حاول تنفيذ عمل إرهابي، فاعتدى على قائد الطائرة بفأس الطوارئ وحاول السيطرة على أجهزة القيادة. أما الدوافع والارتباطات المحتملة فلا تزال موضع تحقيق، ولذلك سيكون من الخطأ استباق نتائجه أو بناء رواية تتجاوز ما ثبت حتى الآن. لكن ما ثبت يكفي لإعادة طرح سؤال أوسع بكثير من أمن الطيران: هل يمكن الانتصار على الإرهاب إذا حاربنا الإرهابي وتركنا الفكرة التي تصنعه؟ لسنوات طويلة، تعامل العالم مع الإرهاب باعتباره مشكلة أمنية في المقام الأول. أجهزة استخبارات، قوائم مراقبة، تفتيش في المطارات، ملاحقة للتمويل، وضربات عسكرية ضد التنظيمات. كل ذلك ضروري، لكنه يعالج غالباً المرحلة الأخيرة من المشكلة: اللحظة التي ينتقل فيها صاحب الفكر المتطرف إلى الفعل. المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية، والكراهية إلى تكفير أو تخوين، ثم يتحول الإنسان المقابل إلى مجرد هوية يجوز استهدافها. عندها لا يعود المدني مدنياً، ولا يصبح وجود عشرات الأبرياء على متن طائرة مانعاً أخلاقياً. يصبحون في عقل المتطرف جزءاً من قضية أكبر، وبالتالي تصبح حياتهم قابلة…

من يتجرّع كأس السم في إيران اليوم؟

الإثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:  في يوليو 1988، لم يقل الخميني إن إيران هُزمت، ولم يعلن أن ثماني سنوات من الحرب مع العراق انتهت بلا تحقيق الأهداف التي رفعها، اختار تعبيراً أكثر قسوة وكان حينها قبول وقف إطلاق النار كان بالنسبة إليه أشبه بـ"تجرّع كأس السم". كانت العبارة اعترافاً نادراً بأن هناك لحظة تصبح فيها كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التراجع. بعد ثمانية وثلاثين عاماً، يعود السؤال بصورة مختلفة: هل وصلت إيران مجدداً إلى لحظة كأس السم؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فمن يستطيع أن يتجرّعه هذه المرة؟ عام 1988، لم يكن قرار الخميني وليد تحول مفاجئ نحو السلام،كانت إيران قد تعرضت لنكسات عسكرية، واقتصادها يرزح تحت أعباء الحرب، وعزلتها الدولية تتسع، فيما تعاظم الوجود العسكري الأميركي في الخليج. وآنذاك اجتمعت الخسائر البشرية ونقص السلاح والتدهور الاقتصادي وتراجع المعنويات لتجعل استمرار الحرب خطراً على الجمهورية الفتية نفسها. وهنا تكمن أهمية "كأس السم" ،الخميني لم يغيِّر قناعاته، بل غيّر قراره عندما بات الحفاظ على النظام أهم من الاستمرار في الحرب، وقال صراحة إن قراره استند إلى "مصلحة الجمهورية الإسلامية". اليوم، تبدو بعض عناصر الصورة مألوفة، لكن المشهد مختلف جذرياً،فإيران تواجه حرباً وضغطاً اقتصادياً وعسكرياً شديداً، فيما أدى الحصار وتعطل صادرات النفط إلى ضغوط متزايدة على الاقتصاد والعملة. وفي الوقت نفسه، لا تزال طهران…

الموت لأميركا..إلا عندما تصبح الكلفة حقيقية!

الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:  "الموت لأميركا... الموت لإسرائيل"، ليس مجرد هتاف عابر في أدبيات الحوثيين، بل جزء من الهوية السياسية التي بنت عليها الجماعة خطابها لسنوات. لكن ما يحدث عندما ينتقل هذا الشعار من المنصة إلى طاولة القرار يكشف شيئاً مختلفا،هناك فارق كبير بين القدرة على رفع سقف المواجهة وبين الإرادة لتحمّل كلفتها عندما تصبح حقيقية. أحدث الأمثلة جاء من عُمان، فبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز نقلاً عن خمسة مصادر، التقى مسؤولون أميركيون ممثلين عن الحوثيين في مسقط وخلال اللقاء أبلغ الحوثيون الجانب الأميركي أنهم لا ينوون مهاجمة السفن الأميركية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار المبرم مع واشنطن عام 2025 والأكثر غرابة أن مصدراً يمنياً قال إنهم أكدوا أيضاً أنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية أو السفن التجارية الأخرى، باستثناء السفن السعودية. ولئن كان التفاوض ليس مستغرباً، فالحروب تنتهي عادة بالتفاوض، والخصوم يتحدثون حتى وهم يتقاتلون، فالمفارقة تكمن في المسافة بين لغة لا تعترف ظاهرياً بأي سقف للمواجهة مع أميركا وإسرائيل، وسلوك يرسم لهما في اللحظة الحرجة حدوداً واضحة. والحوثيون ليسوا الاستثناء. بل إن التجربة العراقية تقدم مثالاً أوضح على الآلية نفسها، بعد اندلاع حرب غزة، كثفت فصائل عراقية مرتبطة بإيران هجماتها على القوات الأميركية في العراق وسوريا، وقدمت ذلك بوصفه جزءاً من مواجهة الوجود الأميركي ودعماً لغزة، لكن نقطة التحول…

من أعطاهم حق إشعال الحرب؟

الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: في الشرق الأوسط، قد ينام ملايين الناس في بلد ليس في حالة حرب، ثم يستيقظون ليكتشفوا أن أحدًا قرر عنهم أن الحرب بدأت. لم يصوّتوا عليها، ولم يناقشها برلمانهم، وربما لم حكومتهم أصلًا قراراً لبدئها. صاروخ تطلقه جماعة مسلحة، أو عملية تقررها قيادة تنظيم، أو حسابات إقليمية تُنفذ فوق أرض دولة أخرى، ثم تبدأ الغارات والردود، ويسقط الضحايا ويُهجر السكان وتُدمّر البيوت. وبعد ذلك كله، يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع ما حدث وكأنه قدر. لكنه ليس قدرًا. إنه قرار. والسؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو: من أعطاهم حق اتخاذه؟ ربما تكون هذه إحدى أخطر المعضلات التي عاشها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. ففي الدولة الطبيعية، قرار الحرب هو أخطر ما يمكن أن تتخذه السلطة، يحتاج إلى مؤسسات ومحاسبة وتقدير للكلفة والنتائج. أما في أجزاء من منطقتنا، فقد أصبح ممكناً لتنظيم مسلح أن يتخذ قرارًا، ثم يترك الدولة والمجتمع يتحملان نتائجه. لبنان يقدم المثال الأكثر وضوحًا، فالدولة اللبنانية أعلنت رسميًا أن قرار الحرب والسلم يعود إليها وحدها، وأن أي نشاط عسكري أو أمني خارج مؤسساتها مرفوض، وطالبت بحصر السلاح بيد الدولة. وفي الوقت نفسه، أكدت مطالبتها إسرائيل بوقف اعتداءاتها واحترام سيادة لبنان. وهنا تكمن المسألة ، رفض السلاح خارج الدولة لا يعني منح إسرائيل تبريرًا…

فلسطين التي لم تتحرر… والعواصم التي دفعت الثمن

الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، أدرك النظام الجديد في طهران مبكرًا أن فلسطين ليست مجرد قضية خارجية، بل واحدة من أقوى بوابات الوصول إلى الوجدان العربي.      قطعت إيران علاقاتها مع إسرائيل، وسلمت مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ورفعت شعار تحرير القدس. ظاهريًا، كان ذلك تحولًا جذريًا في السياسة الإيرانية. لكن العقود التالية كشفت أن فلسطين لم تكن فقط قضية تتبناها طهران، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد أهم مصادر الشرعية لمشروعها الإقليمي.      في لبنان، كانت المحطة الأولى الكبرى،بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ساهم الحرس الثوري الإيراني في تأسيس حزب الله وتسليحه وتدريبه. كان العنوان مقاومة الاحتلال، وهو عنوان وجد شرعية واسعة في بلد احتلت إسرائيل أجزاء منه. لكن الاحتلال انسحب من معظم جنوب لبنان عام 2000، فيما بقي السلاح، واتسعت وظيفة الحزب من مقاومة إسرائيل إلى قوة عسكرية وسياسية تتجاوز في قدراتها أحيانًا مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها.      ثم جاءت فلسطين نفسها عندما بدأت منظمة التحرير الانتقال نحو التسوية السياسية في مدريد ثم أوسلو، وجدت إيران فرصة جديدة. استضافت طهران حينها مؤتمرات للقوى الرافضة للتسوية، وتعززت علاقاتها بحماس والجهاد . وتشير دراسات موثقة إلى أن إيران قدمت منذ التسعينيات التمويل والتدريب العسكري والسلاح لحماس، في الوقت الذي…

لماذا تحرّم إيران على جيرانها ما أحلّته لنفسها؟

الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:  هناك مشكلة جوهرية في السردية التي تستخدمها إيران لتبرير عدائها لدول الخليج: التاريخ الإيراني نفسه يناقضها.      تقول طهران إنها تخوض مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتهم دولاً خليجية بأنها تقف إلى جانب خصومها، وتستخدم علاقات هذه الدول بواشنطن ذريعة لتبرير تهديدها أو حتى استهدافها. لكن ماذا لو عدنا قليلاً إلى الوراء؟ ماذا لو كان النظام الذي يجرّم اليوم التعاون مع الولايات المتحدة قد تعاون معها بنفسه عندما كانت المصلحة الإيرانية تقتضي ذلك؟      هنا لا نحتاج إلى رواية أميركية ولا إلى اتهامات خصوم إيران، يكفي أن نستمع إلى مسؤول إيراني كان في قلب السلطة.في يناير 2004، قال محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني آنذاك محمد خاتمي، إن إيران "قدمت الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق"، قبل أن يطلق العبارة الأكثر وضوحاً: "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة".      اعتراف يصعب أن يكون أكثر وضوحاً، فالحديث ليس عن حوار دبلوماسي مع واشنطن، ولا عن مفاوضات لتجنب حرب، بل عن مرحلتين كانت فيهما القوات الأميركية تخوض حربين غيرتا وجه المنطقة: إسقاط طالبان عام 2001، ثم إسقاط نظام صدام حسين عام 2003.      وفي الحالتين كان المستفيد الاستراتيجي الأكبر، إلى جانب الولايات المتحدة، إيران نفسها.على حدودها الشرقية، تخلصت…

الإمارات في مرمى الحملات… ماذا تقول الأرقام؟

الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      في زمن أصبحت فيه الحملات الإعلامية جزءاً من أدوات الصراع السياسي بين الدول، تتعرض الإمارات لموجات متواصلة من الانتقادات والاتهامات. بعضها يدخل في إطار النقد السياسي المشروع، وبعضها الآخر يتجاوز ذلك إلى محاولات لبناء صورة سلبية عن الدولة وسياساتها ودورها الإقليمي. لكن بعيداً عن ضجيج المنصات والسجالات السياسية، ثمة سؤال يستحق أن يُطرح: ماذا تقول الأرقام؟      فصورة الدول لا تصنعها فقط الروايات التي تُكتب عنها، بل النتائج التي تحققها، وقدرتها على جذب الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وبناء المؤسسات، والتأثير دبلوماسياً، والتحرك عندما تندلع الأزمات والحروب. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو قصة الإمارات مختلفة إلى حد كبير عن الصورة التي تحاول بعض الحملات رسمها. اقتصاد يتجاوز النفط تكشف الأرقام الأحدث حجم التحول الذي شهده الاقتصاد الإماراتي.      ففي عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.2 في المئة ليصل إلى نحو 1.9 تريليون درهم، فيما نما الاقتصاد غير النفطي بنسبة 6.8 في المئة ليصل إلى نحو 1.5 تريليون درهم.      ولا تعكس هذه الأرقام مجرد دورة نمو عابرة، بل تحولاً هيكلياً في دولة ارتبط اقتصادها تاريخياً بالنفط، بينما باتت قطاعات التجارة والمال والتأمين والبناء والصناعة والنقل والعقارات تشكل قاعدة اقتصادية واسعة ومتنوعة.      وفي النصف الأول من عام 2026، اقتربت…