خاص لـ هات بوست:
في يوليو 1988، لم يقل الخميني إن إيران هُزمت، ولم يعلن أن ثماني سنوات من الحرب مع العراق انتهت بلا تحقيق الأهداف التي رفعها، اختار تعبيراً أكثر قسوة وكان حينها قبول وقف إطلاق النار كان بالنسبة إليه أشبه بـ”تجرّع كأس السم”. كانت العبارة اعترافاً نادراً بأن هناك لحظة تصبح فيها كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التراجع.
بعد ثمانية وثلاثين عاماً، يعود السؤال بصورة مختلفة: هل وصلت إيران مجدداً إلى لحظة كأس السم؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فمن يستطيع أن يتجرّعه هذه المرة؟
عام 1988، لم يكن قرار الخميني وليد تحول مفاجئ نحو السلام،كانت إيران قد تعرضت لنكسات عسكرية، واقتصادها يرزح تحت أعباء الحرب، وعزلتها الدولية تتسع، فيما تعاظم الوجود العسكري الأميركي في الخليج. وآنذاك اجتمعت الخسائر البشرية ونقص السلاح والتدهور الاقتصادي وتراجع المعنويات لتجعل استمرار الحرب خطراً على الجمهورية الفتية نفسها. وهنا تكمن أهمية “كأس السم” ،الخميني لم يغيِّر قناعاته، بل غيّر قراره عندما بات الحفاظ على النظام أهم من الاستمرار في الحرب، وقال صراحة إن قراره استند إلى “مصلحة الجمهورية الإسلامية”.
اليوم، تبدو بعض عناصر الصورة مألوفة، لكن المشهد مختلف جذرياً،فإيران تواجه حرباً وضغطاً اقتصادياً وعسكرياً شديداً، فيما أدى الحصار وتعطل صادرات النفط إلى ضغوط متزايدة على الاقتصاد والعملة. وفي الوقت نفسه، لا تزال طهران قادرة ولو بنسبة محدودة على إلحاق أضرار بمصالح خصومها وتهديد حركة الطاقة والملاحة، ما يعني أنها ليست أمام نسخة مطابقة من عام 1988.
ومع ذلك، ثمة مؤشر يصعب تجاهله وهو أن إيران نفسها تبحث عن مخرج، طهران طرحت في سبتمبر خريطة طريق تتضمن وقفاً للأعمال القتالية وإعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى المفاوضات،والرئيس مسعود بزشكيان يقول إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق، فيما تؤكد واشنطن استمرار الاتصالات مع تهديدات تحضر حيناً وتغيب آخر من قِبَل الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لكن المشكلة ليست في وجود مخرج ،بل فيمن يستطيع أن يفتحه،عام 1988، كان الخميني هو الثورة والدولة والمرجعية السياسية والدينية العليا ولذلك استطاع أن يقول للإيرانيين، عملياً: وعدتكم بالاستمرار، لكنني قررت التوقف.
اليوم لا توجد الشخصية نفسها،فمجتبى خامنئي أصبح المرشد الأعلى بعد مقتل والده علي خامنئي، لكنه لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تقول مصادر إيرانية إن القرارات الاستراتيجية أصبحت تدور ضمن بنية أكثر تعقيداً تضم المرشد والحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي والرئاسة وقيادات سياسية أخرى،وتضيف المصادر نفسها إن القرار النهائي في الملفات الكبرى لا يزال للمرشد.
وهنا يصبح “كأس السم” أكثر تعقيداً، الرئيس بزشكيان يستطيع أن يفاوض وعباس عراقجي يستطيع أن يصوغ الاتفاق والديبلوماسيون يستطيعون البحث عن تسوية عبر الوسطاء،لكن الدستور الإيراني يمنح المرشد سلطة إعلان الحرب والسلام والقيادة العليا للقوات المسلحة، أي أن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع إيران التوصل إلى اتفاق؟ بل هل يستطيع رأس النظام أن يتحمل سياسياً وأيديولوجياً ثمنه؟
هناك فارق آخر بين 1988 واليوم،الخميني أنهى حرباً مع دولة واحدة، أما إيران اليوم فتفاوض على منظومة كاملة بنتها طوال عقود تتمثَّل في برنامج نووي، صواريخ، نفوذ إقليمي، مضيق هرمز، وعلاقة عدائية متجذرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي فإن أي تسوية واسعة لن تبدو كوقف حرب فقط، بل قد تفرض إعادة تعريف حدود القوة الإيرانية نفسها وهذا ما يجعل الكأس “كأس السم” أشد مرارة.
لكن التاريخ الإيراني يقول شيئاً مهماً، فالجمهورية الإسلامية تستطيع أن تكون براغماتية عندما يصبح بقاؤها موضع اختبار ، والشعارات قد تكون مطلقة، أما القرارات فليست كذلك. عام 1988، احتاج النظام إلى الخميني كي يحول التراجع إلى ضرورة لحماية الجمهورية، أما اليوم فالمفارقة أن إيران قد تكون أقرب إلى البحث عن كأس السم، لكنها أبعد عن امتلاك الرجل القادر على شربه.
وربما يكون هذا هو الفارق الأخطر بين المرحلتين،في 1988 كان السؤال متى تتراجع إيران؟ أما في 2026، فقد يصبح السؤال من يملك داخل إيران سلطة اتخاذ قرار التراجع والقدرة على البقاء بعده؟
