خاص لـ هات بوست:
قد يؤدي اتفاقٌ يعيد فتح مضيق هرمز، ويعالج مصير اليورانيوم عالي التخصيب، إلى وقف مواجهة أو تخفيف خطرها المباشر. لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأوسع: هل تغيّر إيران سلوكها الإقليمي، أم أن الاتفاق سيعالج ملفين خطيرين ويترك أسباباً أخرى للأزمة قائمة؟
في هرمز، ستكون استعادة حرية الملاحة مصلحة دولية ملحّة، قبل أن تكون مكسباً لطرف بعينه. فالمضيق ممر حيوي للطاقة والتجارة، وأي تهديد لحركته يرفع كلفة الصراع على المنطقة والعالم. أما الملف النووي، فإن إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو إخضاعه لرقابة صارمة قد يقلل مخاطر الانتشار، ويمنح الديبلوماسية فرصة لالتقاط أنفاسها. لكن نجاح أي تفاهم في هذين الملفين لا يعني تلقائياً أن العلاقة بين إيران وجوارها دخلت مرحلة جديدة.
الأزمة مع طهران لا يمكن اختزالها في مستوى التخصيب أو حركة السفن، إنها تشمل أيضاً برنامج الصواريخ، ودعم جماعات مسلحة خارج حدودها، واستخدام النفوذ المسلح في دول عربية، فضلاً عن غياب الثقة المتراكم بين إيران وخصومها،وأي اتفاق لا يتناول هذه الملفات، أو يضع قواعد واضحة للتعامل معها، قد يتحول إلى تسوية مؤقتة توقف التصعيد من دون أن تمنع أسبابه من الظهور مجدداً.
وثمة ما يجعل النقاش أعمق من خلاف على سياسات حكومية قابلة للتغيير وفق ما تقتضيه المصالح، فالدستور الإيراني يتضمن نصوصاً ترسم هوية النظام وأدوار بعض مؤسساته. المادة 154 تتحدث عن دعم النضالات المشروعة للمستضعفين، لكنها تنص أيضاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهنا يبرز سؤال جوهري: من يقرر متى يبدأ “دعم المستضعفين” ومتى يتحول إلى تدخل في شؤون دولة أخرى؟ وهل يجيز هذا المبدأ أصلاً لدولة أن تقدم دعماً عابراً للحدود، ومن يحدد مشروعيته وحدوده ونهايته؟ أما المادة 150، فتنص على استمرار الحرس الثوري في أداء دوره في حماية الثورة ومكتسباتها. هذه النصوص لا تثبت وحدها كيف تُدار السياسة الخارجية، لكنها تكشف أن مفاهيم الثورة وحمايتها حاضرة في البناء الدستوري للنظام.
ولا تكفي الإحالة إلى النصوص الدستورية للحكم على كل قرار إيراني، كما لا يصح افتراض أنها تجعل التغيير مستحيلاً. لكن التناقض بين إعلان عدم التدخل وبين ممارسة نفوذ عابر للحدود يستحق أن يكون في صلب أي نقاش، فالاختبار الحقيقي هو ما تفعله الدولة ومؤسساتها: هل تقبل مبدأ سيادة الدول، وحصر السلاح بيدها، وعدم تحويل أراضي الآخرين إلى ساحات ضغط؟
ويستدعي ذلك النظر إلى دور الحرس الثوري، لا بوصفه مؤسسة عسكرية فحسب، بل باعتباره جزءاً من منظومة الحكم ذات مهمة دستورية معلنة. وهذا لا يعني أن كل نشاط إقليمي يصدر عنه أو عن إيران محكوم بنص دستوري مباشر؛ لكنه يجعل أي اتفاق يتجاهل نفوذ هذه المؤسسة وأدواتها عرضة لأن يبقى محدود الأثر. فالتفاهم الذي يضبط الملف النووي، ولا يضع آلية للتحقق من السلوك الإقليمي، قد يخفف خطراً محدداً ويترك مخاوف الجوار كما هي.
ويظهر هذا بوضوح في ملف الجماعات المسلحة والصواريخ. فدول الخليج لا تنظر إلى الصواريخ الموجهة نحو أراضيها باعتبارها تفصيلاً منفصلاً عن أمنها، كما لا ترى في دعم الميليشيات مسألة هامشية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى. وأي مسار تفاوضي يتجاهل هذه المخاوف سيجد صعوبة في بناء ثقة إقليمية مستدامة، حتى لو نجح في ترتيب تفاهمات بين واشنطن وطهران.
لذلك، لا ينبغي قياس الاتفاق المحتمل إن تم التوصل إليه، بقدرته على إعلان نهاية الأزمة، بل بقدرته على فتح مسار يختبر النيات ويغيّر السلوك. وهذا مسار يحتاج إلى مراحل واضحة، وآليات تحقق قابلة للتطبيق، والتزامات متبادلة، وقنوات إقليمية تتيح للدول المعنية مناقشة أمنها مباشرة. كما يحتاج إلى التمييز بين وقف التصعيد وبين تسوية أسباب الصراع؛ فالأول قد يتحقق بسرعة، أما الثانية فتتطلب وقتاً وضمانات وتغييراً ملموساً على الأرض.
فتح هرمز وتسوية الملف النووي قد يكونان بداية ضرورية، لكنهما ليسا نهاية الأزمة. فالسلام لا يُقاس بما تتوقف إيران عن فعله في ملفين فحسب، بل بما إذا كانت ستقبل قواعد تمنع تهديد الملاحة، وتحد من انتشار السلاح خارج الدولة، وتحترم سيادة جيرانها.
من دون ذلك، قد يصمت صوت المواجهة لبعض الوقت، فيما تبقى أسبابها كامنة تحت رماد الاتفاق.
