القضية ليست صك غفران!

آراء

خاص لـ هات بوست:

     كيف يُطلب من المواطن العربي أن يناصر القضية الفلسطينية، بينما لا تزال مدنه تحمل آثار الحروب التي خاضتها جماعات رفعت راية فلسطين، ثم وجّهت سلاحها إلى الداخل العربي؟ وكيف يُطلب منه أن يفصل بين عدالة القضية وبين أولئك الذين استخدموا اسمها لتبرير التدخل في بلاده، أو تهديد أمنها، أو مصادرة قرارها؟

     السؤال ليس عن حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، ولا عن حجم المأساة التي يعيشونها، بل عن الثمن الذي طُلب من شعوب عربية أخرى دفعه باسم هذه القضية، وعن حق تلك الشعوب في مساءلة من طالبها بالتضامن، ثم تجاهل آلامها، أو اصطفّ مع القوى التي ساهمت في صنعها.

     في لبنان، لم تكن القضية الفلسطينية غائبة عن الشعارات التي رفعتها قوى مسلحة تجاوزت سلطة الدولة، وربطت قرار الحرب والسلم بحسابات إقليمية. وفي سوريا، قدّمت إيران تدخلها العسكري وحضور الميليشيات المرتبطة بها ضمن خطاب “المقاومة”، بينما كان السوريون يدفعون ثمناً هائلاً في الأرواح والعمران والتهجير. وفي العراق واليمن، اختلطت شعارات القدس بمشاريع النفوذ والسلاح والصراع على السلطة. أما دول الخليج، فقد عرفت ولا تزال، معنى أن تتحول التهديدات والصواريخ والمسيّرات إلى أدوات ضغط في صراعات لا تخدم بالضرورة الفلسطينيين.

     ليس المقصود أن كل ما شهدته هذه البلدان سببه إيران وحدها، أو أن مسؤوليات الأطراف المحلية والدولية يمكن اختزالها في جهة واحدة ، لكن من الصعب إنكار أن طهران جعلت من القضية الفلسطينية إحدى أهم أدوات شرعنة نفوذها الإقليمي، فيما لم تكن كلفة هذا النفوذ موزعة بالتساوي بين الشعوب.

     ولعل المثال الأكثر دلالة على هذا التناقض جاء على لسان إسماعيل هنية، عندما وصف قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، بأنه “شهيد القدس” خلال مراسم تشييعه في طهران عام 2020 ، ربما رأى هنية في سليماني داعماً عسكرياً لحركة حماس، لكن كيف سمع هذه العبارة مواطن سوري هُجّر من منزله؟ وكيف تلقاها عراقي عاش تحت سطوة الفصائل المسلحة؟ وماذا تعني لمواطن عربي يرى في سليماني أحد أبرز مهندسي شبكة الميليشيات التي تدخلت في شؤون بلاده ولا تزال تستهدفها حتى لحظة كتابة هذه السطور.

     هنا تكمن المشكلة الأخلاقية والسياسية ، فلا يستطيع قائد فلسطيني أن يطالب الشعوب العربية بالتضامن مع معاناة شعبه، ثم يتوقع منها أن تتجاهل معاناتها حين يمتدح شخصية ارتبط اسمها، في نظر قطاعات واسعة منها، بمآسي بلدانها.

     قد تكون للحركات الفلسطينية حساباتها وتحالفاتها، وقد تبرر تلك التحالفات بالحاجة إلى المال والسلاح في مواجهة إسرائيل. لكن الحاجة إلى الدعم لا تمنح أحداً حق مطالبة الآخرين بالصمت عن الأذى الذي لحق بهم ، ولا تجعل من كل من رفع شعار القدس حليفاً أخلاقياً للقضية الفلسطينية.

     الأخطر أن هذا الخلط منح خصوم القضية فرصة لتقديم التضامن مع الفلسطينيين وكأنه تأييد تلقائي للمشروع الإيراني ، وهكذا أصبحت فلسطين، في الخطاب السياسي لبعض الأطراف، عنواناً لمعسكر إقليمي لا قضية شعب يطالب بحقوقه الوطنية. وهذه خسارة للفلسطينيين قبل غيرهم، لأنها تختزل عدالتهم في تحالفات قابلة للتبدل والانهيار.

     ليس من الإنصاف أيضاً مطالبة اللبناني أو السوري أو العراقي أو اليمني بأن يضع خراب بلده جانباً كلما ارتفع شعار فلسطين. فمن فقد منزله، أو اضطر إلى الهجرة، أو عاش تحت تهديد السلاح، ليس أقل استحقاقاً للتعاطف من غيره ولا ينبغي ترتيب المآسي العربية في سلّم يمنح قضية واحدة حق احتكار الضمير، بينما تُعامل بقية المآسي باعتبارها تفاصيل ثانوية.

     ومع ذلك، فإن رفض توظيف القضية الفلسطينية لا يعني التخلي عن الفلسطينيين، تماماً كما أن إدانة سياسات حماس أو تحالفاتها لا تعني تبرير الاحتلال الإسرائيلي أو الاعتداء على المدنيين. هذه تفرقة ضرورية، لأن العدالة لا تصبح أقل عدالة بسبب أخطاء من يدّعون تمثيلها، ولأن حقوق الشعوب لا تسقط بخيارات قياداتها.

     ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم ليس المزيد من الشعارات التي تضعها في مواجهة الشعوب العربية، بل خطاب يعترف بآلام هذه الشعوب ويحترم سيادة دولها، ولا يطلب منها التضحية بأمنها واستقرارها لإثبات صدق تضامنها. ومن حق العربي أن يقول إنه مع حقوق الفلسطينيين، لكنه ليس مع تحويل بلاده إلى ساحة حرب، ولا مع منح إيران أو غيرها تفويضاً مفتوحاً للتدخل باسم القدس.

     فلسطين قضية عادلة، لكنها ليست صكّ غفران لمن دمّر بلداناً عربية، ولا مطالبة مفتوحة للشعوب بأن تنسى جراحها كلما ذُكر اسمها.