خاص لـ هات بوست:
هل يمكن أن يتحول قرار يُتخذ باسم القضية الفلسطينية إلى فرصة سياسية يستفيد منها أكثر خصومها تشدداً؟ هذا السؤال يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، حين قرر يحيى السنوار نقل المواجهة مع إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق، من دون أن تتضح خطة سياسية قادرة على احتواء التداعيات التي ستترتب عليه.
لم يكن السنوار يعمل لمصلحة بنيامين نتنياهو، ولم يكن الرجلان حليفين. لكن التاريخ لا يحاكم القرارات بالنوايا وحدها، بل بنتائجها أيضاً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن هجوم السابع من أكتوبر أتاح لنتنياهو فرصة لتعزيز بعض خياراته الأمنية والسياسية، فيما وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام كارثة إنسانية ووطنية هائلة.
قبل الهجوم، كان نتنياهو يواجه انقسامات داخلية حادة في إسرائيل، واحتجاجات واسعة على مشروع التعديلات القضائية. وعلى المستوى الفلسطيني، اتُّهمت حكوماته باتباع سياسة تُبقي الانقسام بين غزة والضفة الغربية قائماً، بما يضعف السلطة الفلسطينية ويُبعد احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية تقود إلى قيام دولة فلسطينية.
ثم جاء السابع من أكتوبر ليقلب المشهد. في ذلك اليوم، قُتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، واختُطف 251 آخرون، وفق الأرقام التي أوردتها الأمم المتحدة. وشكّل الهجوم إخفاقاً أمنياً واستخباراتياً كبيراً للدولة الإسرائيلية، لكنه منح نتنياهو أيضاً فرصة لإعادة ترتيب أولويات النقاش السياسي حول القضية الفلسطينية.
بدلاً من التركيز على الاحتلال والاستيطان وحل الدولتين، أصبحت الأولوية المعلنة للحكومة الإسرائيلية القضاء على القدرات العسكرية لحماس، ومنع تكرار الهجوم، وفرض ترتيبات أمنية جديدة على قطاع غزة. وهنا تكمن المفارقة: السنوار أراد تغيير قواعد الصراع، لكن الهجوم أتاح لنتنياهو توسيع نطاق المواجهة العسكرية وتقديمها باعتبارها ضرورة أمنية وجودية، ولا يعني ذلك تبرير ما ارتكبته إسرائيل لاحقاً؛ فمسؤوليتها عن عملياتها العسكرية وحماية المدنيين تبقى مستقلة عن مسؤولية حماس عن الهجوم.
والنتائج على الأرض تكشف حجم المأساة، فبحسب الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة في غزة في الذكرى الثالثة للحرب، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 74 ألفاً، فضلاً عن عشرات آلاف الجرحى. وهي حصيلة لا تختصر وحدها حجم الخسائر، إذ تشمل المأساة آلاف العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، وأجيالاً من الأطفال الذين تعطلت دراستهم وتبدلت حياتهم بالكامل.
أما إعادة الإعمار، فقد تحولت إلى تحدٍّ اقتصادي وإنساني هائل. فقدّر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة إعمار غزة بأكثر من 70 مليار دولار ، ولم يعد الحديث عن إعادة بناء المباني وحدها، بل عن إعادة تأسيس حياة اجتماعية واقتصادية وصحية وتعليمية تعرضت لدمار واسع.
لكن الخسارة لا تُقاس بالأرواح والمباني وحدها، فقبل السابع من أكتوبر، كان الفلسطينيون يطالبون بإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وإقامة دولتهم المستقلة، وبعد ثلاث سنوات، أصبح جزء كبير من الجهد السياسي منصباً على وقف القتل، ومنع التهجير، وإدخال المساعدات، وتأمين المأوى، وإعادة بناء ما دمرته الحرب. لقد انتقل النقاش، في جوانب واسعة منه، من كيفية تحقيق الحقوق الوطنية إلى كيفية تأمين الحد الأدنى من شروط البقاء.
وهذا التحول يمثل أحد أخطر التداعيات السياسية للهجوم، لأنه منح إسرائيل مجالاً أوسع لفرض الأولويات الأمنية على أي نقاش يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن تصوير نتنياهو باعتباره المنتصر المطلق سيكون قراءة ناقصة، فهجوم السابع من أكتوبر كشف إخفاقاً أمنياً كبيراً وقع في عهده، وأثار غضباً داخلياً ومطالبات بالمحاسبة، كما وضع إسرائيل أمام انتقادات وضغوط دولية متزايدة بسبب الحرب على غزة ولم تتحقق بالضرورة جميع الأهداف التي أعلنتها حكومته.
لكن هذه التكاليف التي تحملتها إسرائيل لا تبدد السؤال المتعلق بحسابات السنوار، فالمعيار ليس مقدار الضرر الذي يمكن إلحاقه بالخصم، بل ما إذا كانت النتائج قد حسّنت موقع الفلسطينيين وقدرتهم على تحقيق أهدافهم الوطنية. هل امتلك السنوار تصوراً واقعياً لحجم الرد الإسرائيلي المتوقع؟ وهل كانت هناك خطة لحماية سكان غزة من حرب طويلة ومدمرة؟ وهل كان الرهان على تدخل حلفاء حماس الإقليميين كافياً لتبرير المخاطرة بمصير أكثر من مليوني فلسطيني؟ والأهم من ذلك كله: هل كان هناك مسار سياسي واضح لتحويل الهجوم إلى إنجاز وطني، أم أن الحسابات العسكرية سبقت التفكير في اليوم التالي؟
هذه الأسئلة ليست تبرئة لإسرائيل، ولا إنكاراً لحقوق الفلسطينيين أو لمعاناتهم الطويلة قبل السابع من أكتوبر، لكنها تتعلق بمسؤولية القيادة عن تقدير النتائج، وبالفارق بين القدرة على إلحاق الضرر بالخصم والقدرة على تحقيق مكاسب للشعب. فالقرار الذي يغيّر موازين الصراع لا يصبح بالضرورة قراراً ناجحاً إذا انتهى إلى تقويض قدرة المجتمع على الحياة وتحقيق أهدافه، ولا يمكن اختزال المسؤولية السياسية في إعلان النوايا، بينما يُترك المدنيون لمواجهة نتائج لم يشاركوا في اتخاذ قرارها.
بعد ثلاث سنوات، لا يزال السؤال قائماً: هل قرّب السابع من أكتوبر الفلسطينيين من دولتهم، أم جعل الطريق إليها أكثر تعقيداً؟ ربما لم يكن السنوار يريد منح نتنياهو فرصة سياسية، لكن بعض نتائج هجومه أتاحت لرئيس الوزراء الإسرائيلي تعزيز السياسات التي طالما عارضت قيام دولة فلسطينية ، وتلك هي المفارقة الأكثر إيلاماً أن قراراً اتُّخذ باسم فلسطين أتاح لخصمها السياسي فرصاً جديدة، بينما دفع الفلسطينيون الثمن الأكبر من أرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم.
