خاص لـ هات بوست :
في السياسة، قد تختلف الحسابات، وتتباين التحالفات، وتتبدل الأولويات وفقاً للمصالح والظروف. لكن ثمة مبادئ يفترض ألا تخضع لهذه التقلبات، وفي مقدمتها سيادة الدول وحقها في الأمن والاستقرار، ورفض الاعتداء عليها، أياً كانت هوية المعتدي أو الدولة المستهدفة.
فما الذي يجعل الاعتداء على دولة عربية تهديداً للأمن القومي يستدعي التحرك، وربما الاستعداد للتدخل دفاعاً عنها، بينما يتحول الاعتداء نفسه على دولة عربية أخرى إلى مسألة تحتمل الصمت أو التبرير أو البحث عن الأعذار، وفي أحسن الأحوال، الاكتفاء ببيان تضامني لا يتجاوز حدود الكلمات؟
السؤال هنا ليس عن حق الدول في تحديد أولوياتها الأمنية، ولا عن مشروعية التضامن مع دولة شقيقة تتعرض لتهديد خارجي. فهذا التضامن مطلوب، بل ضروري. إنما السؤال يتعلق بالمعايير التي تحكم المواقف، وبالحد الفاصل بين السياسة بوصفها إدارة للمصالح، والسياسة حين تتحول إلى انتقائية في تطبيق المبادئ.
لقد أثبتت التجارب أن الخطر الذي يهدد دولة عربية لا يبقى بالضرورة محصوراً داخل حدودها. فالصواريخ والطائرات المسيّرة والميليشيات العابرة للحدود ليست مجرد أدوات ضغط محلية، بل وسائل لفرض معادلات إقليمية تتجاوز سيادة الدول ومؤسساتها الشرعية.
وهنا تبرز التجربة الإيرانية بوصفها أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا النمط من التدخل. فمن لبنان إلى اليمن، مروراً بالعراق وسوريا، لم تقتصر سياسة طهران على بناء علاقات سياسية مع قوى محلية، بل امتدت إلى دعم تشكيلات مسلحة تمتلك القدرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم، أحياناً بمعزل عن مؤسسات الدولة التي تعمل داخلها.
والنتيجة لم تكن تعزيز قوة هذه الدول، بل إضعاف مؤسساتها، وتعميق انقساماتها، وتحويل أراضي بعضها إلى ساحات لتصفية حسابات إقليمية.
في لبنان، لم يكن قرار فتح جبهة عسكرية خارج سلطة الدولة مجرد تعبير عن تضامن سياسي، بل خياراً حمل اللبنانيين تبعات أمنية واقتصادية وإنسانية جسيمة. وفي اليمن، رفعت جماعة الحوثي شعارات المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما امتدت هجماتها إلى دول عربية ومنشآت مدنية واقتصادية، في تناقض واضح بين الخطاب المعلن والنتائج الفعلية.
والمفارقة أن بعض المواقف السياسية العربية بدت، في مراحل مختلفة، أكثر حسماً في إدانة الاعتداء عندما يقترب من حدود معينة، وأقل وضوحاً عندما تتعرض دول أخرى للتهديد من الأدوات نفسها.
ليس المطلوب، بطبيعة الحال، أن تتعامل جميع الدول مع التهديدات بالطريقة ذاتها. فالجغرافيا والقدرات العسكرية والالتزامات السياسية تختلف، ولا يمكن مساواة التضامن الدبلوماسي بالتدخل العسكري. لكن اختلاف وسائل الاستجابة لا ينبغي أن يعني اختلاف الموقف المبدئي من الاعتداء.
فليس من الضروري أن تخوض كل دولة معركة دفاعاً عن الأخرى، لكن من الضروري ألا يتغير تعريف الاعتداء بتغير اسم الدولة التي تتعرض له. وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن الخلط بين المبدأ والإجراء هو ما يسمح بتحويل السيادة إلى مفهوم انتقائي. فالدولة التي ترفض انتهاك حدودها لا يمكنها، من حيث المبدأ، اعتبار انتهاك حدود دولة أخرى مسألة قابلة للتبرير لمجرد اختلاف الحسابات السياسية.
والأمر نفسه ينطبق على السلاح خارج سلطة الدولة، فإذا كان وجود تنظيم مسلح قادر على جر بلاده إلى الحرب يمثل تهديداً للاستقرار في مكان ما، فلا يمكن اعتبار النموذج ذاته مشروعاً أو مقبولاً في مكان آخر لمجرد أنه يرفع شعارات تحظى بالتأييد.
إن أخطر ما أنتجته العقود الماضية في المنطقة ليس تعدد النزاعات فحسب، بل تآكل المعايير المشتركة في التعامل معها. فقد أصبح ممكناً إدانة التدخل الخارجي في دولة، وتجاهله في أخرى، ورفض الميليشيات في ساحة، والتسامح معها في ساحة ثانية.
هذه الازدواجية لا تحمي المصالح العربية، بل تمنح القوى المتدخلة مساحة أوسع للمناورة. فكلما غاب الموقف المبدئي الموحد، ازدادت قدرة تلك القوى على تقسيم المنطقة إلى ساحات منفصلة، واستثمار التناقضات بين مواقف دولها.
ولا يعني ذلك تجاهل اختلاف المصالح أو المطالبة بمواقف متطابقة في كل أزمة، فالتوافق على المبادئ لا يلغي التباين في السياسات. لكنه يضع حدوداً واضحة لما يمكن قبوله، ويمنع تحويل الأمن العربي إلى مجموعة من الاستجابات المؤقتة التي لا يجمعها تصور مشترك.
إن التضامن الحقيقي لا يبدأ عندما تصل الصواريخ إلى حدود الحليف الأقرب، بل عندما يصبح رفض استهداف أي دولة عربية قاعدة ثابتة، لا استثناء تفرضه الظروف.
وفي النهاية، قد تكون لكل دولة حساباتها، وهذا حقها السيادي. لكن السيادة التي تستحق الدفاع عنها لا تتغير قيمتها بتغير الجغرافيا، والاعتداء الذي يستوجب الإدانة لا يفقد صفته لأن ضحيته تقع خارج دائرة المصالح المباشرة.
فالمبادئ التي لا تصمد أمام اختبار المصالح ليست مبادئ راسخة، بل مواقف مؤقتة تنتظر تبدّل الظروف.
