السعد المنهالي
السعد المنهالي
كاتبة إماراتية

ستون يوماً!

الأربعاء ٠٢ مارس ٢٠٢٢

لأن المشاعر شاغلي وانشغالي، قررت التوقف في محطة جديدة تماماً في حياتي وتغيير مساري لإعداد نفسي للتعلم وللعزلة والتأمل، فقط لأراقب ذلك الطيف المتغير من الأحاسيس التي سأعيشها بسبب التجربة الجديدة منذ أن قررت مؤخراً ترك وظيفتي (والتي يعتبرها زملائي الحلم المهني لأي إعلامي) وأنا في قمة نجاحي بعد أربعة وعشرين عاماً. اتخذت هذا القرار لأعيش مشاعر جديدة وأجرب أفكاراً مختلفة، وأفعل أموراً كثيرة كنت أسرق الوقت لكي أقوم بها واعتقدت دوماً أنها ستجعلني أسعد. وها أنا اليوم بعد ستين يوماً كاملة أحاول أن أستوعب جمال هذه المساحة التي وهبتها لنفسي بذلك القرار الذي استهجنه أغلب من أعرفهم، ولكنهم وعلى ما يبدو لم يعرفوني! كنت ولا زلت على قناعة تامة بأن المشاعر الإنسانية التي نحملها عن أنفسنا وعن ما هو حولنا هي أكثر ما يثير انتباهي واندهاشي ويستفزني للكتابة، إنها عالم مثير يستدعي التأمل، والتمعن والتحليل والتفسير، بل وتغير الحال إلى حال آخر لاختبارها. وإني على قناعة لا تشوبها شائبة بأننا لو انشغلنا حقاً بمشاعرنا تلك واشتغلنا عليها لانشغلنا عن كل القشور وذهبنا أعمق في إدراك سبب وجودنا الحقيقي في هذه الأرض وسعدنا، بل وتمكنا على صعيد جماعي من تجاوز كل المحن الإنسانية، فقد ننجح بإلحاق الكساد بتجارة الأسلحة وإفلاس تجارها ووقف الحروب، وإغلاق كل تلك المنظمات العالمية بعد أن…

الفوتوغرافيا العربية.. الآن

الأحد ١٩ ديسمبر ٢٠٢١

باستمرار كنت أتساءل بيني وبين نفسي، ما كل هذا الألق الذي يشع مع هذه المطبوعة؟ ألا يخفت؟ هل سيأتي يوم وينضب؟، ما هذا البهاء غير المحدود الذي ألمسه مع كل صفحة وكل صورة وكل معلومة في كل شهر يمر على عملي في مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية، لقد اسعدني الله بهذه الرفقة لما يقارب تسعة أعوام، فكانت تتويجاً لمسيرتي المهنية الماضية التي اختتمها شهر ديسمبر هذا بأول معرض لمصوري ناشيونال جيوغرافيك العربية -والذي يقام حالياً بمنارة السعديات- ليكون الماسة التي تتوسط هذا التاج. سألتني معالي نورة بنت محمد الكعبي وزيرة الثقافة والشباب أثناء تنقلها بين أعمال المصورين العرب الذين قدموا من الدول العربية للمشاركة بأعمالهم، لماذا هذا المعرض الآن بعد أحد عشر عاماً من خروج المجلة بنسختها العربية منذ أكتوبر 2010؟، فأجبتها لأن تجربة الفوتوغرافيا العربية كانت تحتاج كل هذا الوقت لنتأكد من أننا لا نقدم للقارئ العربي صوراً فحسب، بل مشاريع ثقافية متكاملة تحمل إرثنا وتراثنا، وخصوصيتنا التي تستحق أن تروى للعالم، مشاريع فوتوغرافية بها من التفاصيل ما شغل عقول وقلوب مصورينا العرب وقتاً طويلاً لتستحق أن تكون اليوم في معرضنا، ولأننا أخيراً حظينا بإدارة قدّرت ذلك وقررت إبرازه. اشتغلت بالعمل البحثي أغلب سنوات دراستي وعملي المهني، وكانت قناعتي التامة، بأن الرقم والتحليل والفكرة أهم ما نقدمه لنؤكد على «حقيقة»…

رسائل.. في الخمسين

الأحد ٢١ نوفمبر ٢٠٢١

نحتفل منذ بدأنا هذا العام بالذكرى الخمسين على تأسيس دولتنا، وبالنسبة لنا كإعلاميين يعد الأمر تحدياً لا مثيل له، إذ يتعين علينا العمل على مبادرات مبتكرة لإثراء هذه الذكرى والخروج بها عن السياقات المعتادة في الاحتفال. عن نفسي كان «الأرشيف» باستمرار زادي في هذه التحديات، وقد تمكنت خلال مسيرتي المهنية من ارتشاف كنوزه باستمرار والخروج به من الجمود الذي أحيط به إلى أشكال جاذبة، فكل ما نراه اليوم من علو شأن وتقدم إنما هو في أساسه بذور صغيرة، بدأ في زرعها القادة، وهم موقنون أن ثمرها قادم لا محالة. كلما تصفحت الأرشيف، وجدت ما يستحق أن نقف أمامه بهدوء وتأمل، وكان أرشيف جريدة «الاتحاد» مصدري الأثير في ذلك، وكلما تصفحت الأعداد التي واكبت إعلان الدولة الاتحادية زادت هذه الحالة لدي. مثلاً أعداد جريدة الاتحاد الصادرة عام 1972، وجدت صفحة تصدرت فيها أسماء الناجحين في أول ثانوية عامة بدولة الإمارات بعد الاتحاد، ولم يزد عددهم على العشرات، ومع تتابع تصفحي للجريدة عاماً بعد عام، كنت أتابع بكل فخر وامتنان أعداد الدارسين والملحقين بمؤسسات التعليم تزداد من عام لآخر، ومن خلال تلك العناوين التي أخذت مكانها في عقلي وكأنها فيلم سينمائي يعرض كيف تمكنت الدولة الاتحادية من تحقيق إنجازات مميزة في عدد الدارسات من الإناث، وكيف تغلبت على الأمية، وكيف تمكنت من…

«فقد» من منظور آخر

الأحد ٢٥ يوليو ٢٠٢١

قدم الروائي البرتغالي «خوسيه ساراماغو» نظرته المتشائمة للنفس الإنسانية باستخدام آلية «الفقد الجماعي» بشكل مثير في أعماله الأدبية، ما بين أن يفقد الإنسان البصر بشكل جماعي كما في «العمى» أو يفقد الحق في الموت على مستوى الجموع كما في رواية «انقطاعات الموت». هذه حقيقة، فأعمال ساراماغو تفضح حقيقة بعض البشر التي تظهر بكل جلاء عندما تكون الظروف «ليست على ما يرام». وهذه العبارة رغم بساطتها، إلا أن لها دلالات واسعة، وقابلة للاستخدام في ظروف عديدة، تبدأ من حالة زكام لدى البعض أو انتفاض بركان في حالات أخرى. يستخدم ساراماغو فانتازيته بشكل عبقري ليصف تصرفات البشر عندما يفقدون أمراً اعتادوا عليه. وعلى نفس الشاكلة ظهرت أعمال أخرى، تصف إلى أي درجة يصبح الأمر خارجاً عن السيطرة عندما يتم هذا الفقد بشكل جماعي، كأن يستحيل النوم كما ظهر في فيلم «Awake» أو الاستيقاظ، فتبدأ تداعيات ذلك على البشر بشكل مخيف يجردهم من إنسانيتهم. حسناً.. ما رأيكم لو فقد البشر قدرتهم على التواصل والحوار؟ قد يعتقد البعض أن ذلك أقل وطأة من فقدان البصر أو النوم، غير أن الحقيقة أن تداعيات ذلك لا تقل خطورة، وإن كانت أبطأ مقابل الأخرى التي تظهر سريعاً على نظامنا الصحي والعقلي. فغياب القدرة على التواصل والحوار أمر قد يدمر العلاقات أو يؤدي لتشويهها في أفضل الأحيان، ولنا…

في مديح الخوف

الأحد ٠٤ يوليو ٢٠٢١

من أغرب المشاعر الإنسانية الطبيعية، مشاعر الخوف.. فهي وراء كل ممارسات البشر غير السوية.. والسوية أيضاً!، يكذب بعضهم خوفاً على نفسه من العقوبة، يسرق آخرون خوفاً من الحاجة والفقر، يحقد هذا خوفاً من تميز الآخر عليه، يتسلط ذاك خوفاً على نفوذه ومكانته بين الآخرين، ويغتر ذاك خوفاً من الاستخفاف به، يتصرفون بأنانية خوفاً من الفقد.. وهكذا. المثير أيضاً، أن الخوف وراء معظم التصرفات الإنسانية الخيرة، نرغب في الرفقة ونخاف الوحدة، نتعاون مع الآخرين لأننا نخاف ألا نستطيع وحدنا إنجاز الأشياء، لا نقوم بأشياء سيئة خوفاً من نقد الآخرين.. وقس على ذلك، ورغم كل ذلك يعد الخوف ركناً أساسياً لاستمرار جنسنا البشري والحفاظ على نوعنا وسلامة أجسادنا، فحسب العلم، فإن بقاء الكائن البشري حياً طوال تلك العصور يعود في سببه الرئيس إلى خوف الإنسان على حياته، ‏ونتيجة لذلك -وعبر أجيال وأجيال- طوع بيئته وظروفه بشكل أفضل ليتمكن من العيش والاستمرار، فقد خاف الإنسان باستمرار من التغيرات الطبيعية، فهرب من مناطق البراكين وطوع بيئة الزلازل وتفادى حدوث الفيضانات خوفاً على سلامة مكانه وبدنه، وليس هذا فحسب، بل ورَّث جينة الحذر لأبنائه، لتصبح صفة طبيعية لا يلزمها المرور بتجربة كاملة لاستدعائها. في الحرب أيضاً، للخوف صولات وجولات، في كتاب 33 استراتيجية للحرب، يذكر «روبرت غرين» في آخر كتابه، وهي بالمناسبة رقم (33) رد…

تمييع القيم

الأحد ٢٧ يونيو ٢٠٢١

استعانت الفرق المسرحية التي كانت تجوب المدن والقرى الإنجليزية لعرض أعمالها في منتصف القرن الماضي بحماية خاصة طوال رحلاتها لضمان سلامة الممثلين، وخصوصاً أولئك الذين يقومون بدور الأشرار خوفاً عليهم من غضب الناس، الذين كانوا لا يتوانون في الانتقام منهم لما فعلوه من شرور في المسرحية. وفي المقابل كان للممثلين الذين يقومون بأدوار من الطيبة والفروسية تقدير خاص وترحاب من أهالي تلك القرى، كما أن أحد الأسباب التي جعلت المجتمع يقبل بمهنة المشخصاتي بعد أن كانت محل استخفاف وتحقير وعدم قبول، ما كان يورده أصحابها من حجج لدفع المجتمع لقبول المهنة، هو ذلك الدور الذي يلعبه الممثل الطيب أو الحكيم في توعية الناس والرسالة الإنسانية التي كان يقدمها عبر أدواره! لم تعد الأمور كما كانت، لقد أصبحت الأمور في الحياة في غاية التعقيد، بسبب تشويه أصاب المؤثرات التي كانت ولزمن فاعلة في تكوين مداركنا، ومنها على سبيل المثال الدراما التلفزيونية، فقد يجتمع الخير والشر بمقادير متباينة في موقف واحد أو شخص واحد وهذا واقع إنساني لا يمكن إنكاره، غير أن هذا يجب أن لا يختلط إطلاقاً مع أهمية أن يكون لدينا الحدس والمنطق والمعرفة اللازمة للتمييز بين الفعل الخيِّر والشرير، وهي معرفة مكتسبة من التربية والتعليم والمنطق ومنظومة القيم التي اتفق عليها المجتمع اعتماداً على الدين الذي يرتبط به والتقاليد…

الصعود الحقيقي

الأحد ٢٠ يونيو ٢٠٢١

الحاجة للتقدير أي الشعور باحترام الآخرين، أحد الاحتياجات الإنسانية الأساسية التي تأتي في مرتبة لاحقة، تسبقها الحاجات الفسيولوجية أو الفطرية، ثم الحاجة إلى الأمن، تلحقها الحاجات الاجتماعية كالانتماء، والحصول على تقدير الآخرين وهو نتيجة طبيعية لإنجازات يجب أن يحققها الإنسان ليكتسب احترام وثقة الآخرين به. من المهم هنا توضيح أن سلوك الفرد عندما يُصر على تحقيق حاجة إنسانية، في مقابل إهمال متعمد ولا مبالاة لحاجة أخرى في مرتبة أسبق، دليل أكيد على خلل سيتسبب بمشاكل لها تداعياتها على الشخص ومن حوله لاحقاً. تبدو فكرة صعود السلم مناسبة تماماً لشرح الطريقة التي نتعامل بها مع احتياجاتنا في الحياة، ولنتخيل معاً الطريقة التي نصعد بها أي سلم خشبي على سبيل المثال، والتي يمكن تشبيهها هنا بالطريقة التي نفعلها لكي نحيا، ولنتفق مبدئياً على أن صعود السلم والوصول إلى أعلى درجاته ليس هدفاً في حد ذاته، فالهدف هو الحصول على شيء ما أو رؤية أمر ما، أو تلمس شيء بعد وصولنا إلى أعلى نقطة في السلم.. وهكذا، كل درجة من هذا السلم ضرورية جداً للوصول إلى الدرجة التي تليها، إذاً فالدرجات ما هي إلا وسيلة لتحقيق هدف، وبالتالي فالمنطقي والبديهي أن لا أهمية إطلاقاً أن تكون المادة المصنعة لدرجات السلم من الذهب أو الألماس أو من الحجر.. أو حتى من أسوأ أنواع الخشب.…

عام الوعي.. والامتنان

الأحد ٠٣ يناير ٢٠٢١

الامتنان لأني لم أتعطل كثيراً لأدرك ما يحدث، والوعي لأني التقطت الرسالة التي أرادها الله لي مبكراً. لم يطل تشتتي طويلاً، فقد تجسد لي الأمر سريعاً عندما شاهدت عيون وملامح زملائي رؤساء تحرير الطبعات الدولية من مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، في أول اجتماع لنا عبر الفيديو في زمن الجائحة بعد أسبوعين من قرارات الإغلاق، التي اجتاحت العالم. هنالك أدركتُ مدى تشابهنا الكبير في جزعنا وألمنا، وفي شعورنا المشترك (بلا اتفاق مسبق) بأننا لا حيلة لنا أو إرادة إزاء ما سيكون عليه حال المستقبل الوشيك. كنا جميعاً نتحدث من منازلنا، على غير العادة، وبدت الوجوه حائرة مكدرة -لا سيما الرجال بلحاهم الكثة- وأصوات النساء البائسة، وقليلٌ منّا اكترث لخلفية شاشة حاسوبه على غير العادة. كانت أصوات بعض صغارهم هي الجانب المشرق الوحيد الباعث على الابتسام الخجل من حين لآخر. على مرّ الشهور التالية -وعلى صعيد شخصي- بدا الأمر مختلفاً معي، فقد أدركت أننا وإن بدونا في ظاهرنا بأننا بلا حيلة، كان الأمر غير ذلك على الإطلاق، وهذا ما أطلق عليه مرحلة الوعي. لقد ساهمت الأوضاع بمجملها في تهيئة الظروف -لمن أراد- في استكشاف رسالة اللحظة، لماذا وكيف وما المغزى من كل هذا! كانت فرصة غير مسبوقة لإدراك أمور لم نكن لنقف لحظة للتفكر فيها، كانت فرصة جلية جداً للاتصال بالمحيط الطبيعي -غير…

التغيير بداية ونهاية!

الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠

إن التقدير الدقيق لحاجة المجتمع للتغيير، لا ينفصل إطلاقاً عن طريقة إحداث هذا التغيير، وهي أمور لا يدركها أي كان. ولذا فإن النخب الذكية تدرك تماماً دورها في تهيئة الجو العام لقبول المتغيرات الجديدة، كدعم وصول المعلومات المفيدة لإحداث التغيير، وإشغال الناس بها. ومن أهم أدوات ذلك، تمكينهم من المنصات المُترجمة. وهنا أطرح مشروعين مهمين قدما خلال العقد الماضي في المنطقة العربية، أولهما «مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية» وكذلك مجلة «الفيلسوف الجديد» وهي مشروع وليد يمضي على نفس الطريق. إنهما إحدى تلك الأدوات التي تعد وسيلة مثلى لإحداث التغيير في المجتمعات العربية، سواء من ناحية تقديم المعارف الثورية في عوالم شتى، سواء ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية، بعرضها لأحوال وأفكار المجتمعات الأخرى الأكثر تقدماً أو الأقل، ومعرفة واقعنا الحقيقي قياساً بالآخرين، أو من ناحية تقديمها عبر لغة سهلة تشبههم، ليست حكراً على نخب دون غيرها.  سأبدأ من «النهاية». أساس الرفض المتطرف إزاء أي تغيير خارجي يطرأ على حياة الإنسان أو الجماعة هو مفاجأة هذا التغيير. بمعنى أنه كلما كان هناك تدرج ذكي وحذر قبل إحداث عمليات التغيير، كلما تدنت درجة المقاومة، وكذلك كلما طالت فترة التوطئة -بمعنى تهيئة الواقع- كلما تمكن فاعل التغيير من الحصول على القبول وربما الاستحسان بل وربما المطالبة بتسريع التغيير. تبدو هذه العمليات رغم بساطتها وطبيعتها، عصية…

رسالة العربي!

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٠

السلام عليكم، وبعد،  «منذ صدور العدد الأول لمجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية وأنا أواظب على اقتنائها، وقراءتها ثم الاحتفاظ بها في مكتبتي، كمرجع أعود إليه حين أريده. ما لم أُقَدّرْه على مدى كل تلك الأعوام، هو قيمة أن أجد العدد كل شهر في الأكشاك وتكون لي الحرية في أن أقتنيه أو أن أغُضّ عنه الطرف. وخلال أشهر الحجر الصحي الأربعة، لم تكن لديّ تلك الحرية. فلم يكن لي أي خيار غير انتظار زواله وعودة النشاط إلى السوق، عله تكون هناك طريقة لاستدراك الأعداد التي تنقصني». المرسل: العربي الضاني/‏‏ أكادير- المغرب ذلكم جزء مقتطع لواحدة من عشرات الرسائل التي ترد إلينا كفريق تحرير في مطبوعة «ناشيونال جيوغرافيك العربية» والتي تحمل الامتنان لجهود الفريق والتقدير غير المحدود لدولة الإمارات صاحبة هذا السبق في إصدار النسخة العربية لكل الدول العربية، غير أن «الجائحة» كان لها وقع مختلف على متابعينا. فعندما واجهتنا في الربع الثاني من هذا العام، توقفت الكثير من المطبوعات سواء بسبب إجراءات السلامة تحسباً لانتقال فيروس كورونا عبر الأوراق، أو بسبب إغلاق الدول حدودها، مما حد من وصول المطبوعة. غير أن إدارة «أبوظبي للإعلام» -وهي صاحبة الترخيص العالمي للنسخة العربية- ارتأت الاستمرار في تقديم المحتوى العربي عبر الموقع الإلكتروني «مجاناً»، الأمر الذي استمر حتى بدأت الدول بفتح حدودها. وما هذا الإجراء سوى…

«الحقيقة» وحقيقتها!

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠

عادةً ما يعتقد الإنسان بسبب كل التطور الذي وصلته البشرية في شتى أنواع المعارف والعلوم أنه امتلك الحقيقة، فقد مكنته العلوم من الوصول إلى دلائل وبراهين بوفرة أكثر من أي وقت مضى، وبما أن الحقيقة حسب ما يعتقد الكثيرون أنها ما تَمت البرهنة عليها، فإن الدلائل المتوافرة حول أي أمر، كافية لإعلانه «حقيقة»؛ وكلما زادت البراهين حوله تأكدت حقيقته، وليس هذا فحسب، فتلك الحقيقة الجلية بالبراهين المؤكدة تنفي ما دونها وترفض كل من لم يتوافق معها.. أليست جلية بجملة البراهين المثبتة؟ ولكن، إلى أي مدى تعد الدلائل والبراهين المتوافرة حقيقية!! مكنتنا التقنية الحديثة منذ ما يزيد على العقد من فلترة ما يصلنا من الأخبار، لدرجة أن المرء منا لديه الحق في تصميم صحيفته الإلكترونية اليومية، حسب تفضيلاته، بأن يضع مثلاً الخبر الرئيسي من النوع الرياضي أو الفني مثلاً، في حين صفحة المنوعات تعرض أخبار الكوارث السياسية والاقتصادية بشكل مقتطفات سريعة، ولهذه الدرجة أصبح لنا الحق في اختيار ما يصلنا،وقد مارسنا هذا الحق دون أن ندرك أننا بذلك، إنما نعيد ترتيب حضور أمور العالم على هوانا، لا على ما هي عليه في واقع الأمر.  ولكون مفهومنا عن الحقيقة مرتبطاًً بالدلائل والبراهين، فإنك عندما ترى أخبار مشاهير التواصل الاجتماعي ومدخولاتهم -على سبيل المثال- تغلب على ما سواها من أخبار السياسة والاقتصاد والبيئة،…

الرسالة.. والجدوى

الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٠

تبقى الذات في حالة بحث وشقاء - وفي أفضل الأحوال غير مستقرة يصاحبها شعور بعدم الاتزان، مهما بدت الأمور حولها طيبة - حتى تجد غاية وجودها. عادة ما تستخدم كلمة «الرسالة» للإشارة إلى التكليف الذي منحه الله لأنبيائه لإبلاغ البشر به، ولكن أيضاً لكل إنسان على وجه الأرض رسالته الخاصة التي خلقه الله لها، ولكي يتمكن من أدائها، يهبه رب العالمين العقل والموهبة لفعل ذلك. يقدم الروائي الياباني «هاروكي موراكامي» في قصته «نعاس»، الفكرة نفسها بطريقة غير مباشرة، عن امرأة فارقها النوم لسبعة عشر يوماً كاملة، وكانت قبل ذلك تعيش حياة طبيعية طيبة، تمارس خلالها واجباتها بآلية دقيقة. وعلى غير ما نعرفه من تداعيات عدم النوم المزمن - من اضطرابات في الطاقة والإدراك وسوء في المزاج وتدهور في الصحة - فإن البطلة التي كانت تعيش مع زوجها وطفلها الصغير، لم ترافقها أي أعراض من ذلك، بل على العكس، بدت أكثر نشاطاً وقوة، فكانت أن استغلت ذاك الوقت الفائض -الذي كان يضيع في النوم- للعودة إلى هوايتها في القراءة والرياضة والإتيان على أمور لم تكن تملك الجرأة على فعلها وقت اليقظة الطبيعية. في رأيي، إن «موراكامي» أراد القول: إن النساء المتزوجات، اللاتي لا يقُمن إلا بواجباتهن الزوجية فقط، لن يدركن ما يحدث لهن إذا استمر عيشهن داخل ساعات النهار الثماني عشرة…