خاص لـ هات بوست:
ربما يكون السؤال الأخطر في حادثة طائرة فلاي دبي ليس كيف حاول مساعد الطيار السيطرة على الطائرة، بل كيف يمكن لفكرة متطرفة أن تصل إلى قمرة القيادة أصلاً؟
بحسب ما أعلنته النيابة العامة الإماراتية، كشفت التحقيقات أن مساعد الطيار حاول تنفيذ عمل إرهابي، فاعتدى على قائد الطائرة بفأس الطوارئ وحاول السيطرة على أجهزة القيادة. أما الدوافع والارتباطات المحتملة فلا تزال موضع تحقيق، ولذلك سيكون من الخطأ استباق نتائجه أو بناء رواية تتجاوز ما ثبت حتى الآن.
لكن ما ثبت يكفي لإعادة طرح سؤال أوسع بكثير من أمن الطيران: هل يمكن الانتصار على الإرهاب إذا حاربنا الإرهابي وتركنا الفكرة التي تصنعه؟
لسنوات طويلة، تعامل العالم مع الإرهاب باعتباره مشكلة أمنية في المقام الأول. أجهزة استخبارات، قوائم مراقبة، تفتيش في المطارات، ملاحقة للتمويل، وضربات عسكرية ضد التنظيمات. كل ذلك ضروري، لكنه يعالج غالباً المرحلة الأخيرة من المشكلة: اللحظة التي ينتقل فيها صاحب الفكر المتطرف إلى الفعل.
المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية، والكراهية إلى تكفير أو تخوين، ثم يتحول الإنسان المقابل إلى مجرد هوية يجوز استهدافها. عندها لا يعود المدني مدنياً، ولا يصبح وجود عشرات الأبرياء على متن طائرة مانعاً أخلاقياً. يصبحون في عقل المتطرف جزءاً من قضية أكبر، وبالتالي تصبح حياتهم قابلة للتضحية.
لهذا تبدو التجربة الإماراتية في مواجهة التطرف جديرة بالقراءة، ليس لأنها نجحت في إلغاء الخطر ــ والحادثة الأخيرة نفسها دليل على أن الخطر لا يمكن إلغاؤه بالكامل ــ وإنما لأنها تبنت مبكراً فرضية مختلفة: الإرهاب ليس مسألة أمنية فقط.
الموقف الإماراتي الرسمي يقوم على مقاربة تشمل تجفيف التمويل، ومكافحة خطاب التحريض والكراهية، ومواجهة استغلال الدين في التطرف، إلى جانب الأدوات الأمنية والقانونية. وهذا المبدأ أعادت الإمارات تأكيده أمام الأمم المتحدة هذا العام، عندما قالت بوضوح إن الإرهاب والتطرف لا يمكن هزيمتهما بالوسائل العسكرية والأمنية والشرطية وحدها.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم موقف أبوظبي الحاد من تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات تنظيماً إرهابياً، واتخذت خلال السنوات الماضية إجراءات قانونية ومالية ضد أفراد وكيانات قالت إنهم مرتبطون بها.
لكن النقطة الأكثر أهمية هنا هي عدم الخلط بين الإسلام والإسلام السياسي. فالإسلام دين لمئات الملايين من البشر، بينما الإسلام السياسي مشروع يقوم على توظيف الدين في المجال السياسي والصراع على السلطة. والخطورة تبدأ عندما تتحول المقدسات الدينية إلى أدوات تعبئة، وعندما يصبح الخصم السياسي عدواً للعقيدة، وعندما تُمنح المواقف السياسية حصانة دينية تمنع نقدها أو مراجعتها.
ليست كل حركات الإسلام السياسي إرهابية، وليس كل من يتبنى خطاباً دينياً متطرفاً سيتحول بالضرورة إلى إرهابي. لكن تجاهل البيئة الفكرية التي تستطيع تبرير العنف لا يقل خطورة عن تجاهل التنظيم الذي يمارسه. وهنا ربما تكمن إحدى أهم نقاط الاختلاف بين المقاربة الإماراتية ومقاربات أخرى تعاملت طويلاً مع بعض أشكال التطرف باعتبارها مشكلة يمكن احتواؤها طالما لم تتحول إلى قنبلة أو بندقية.
التجربة تقول إن انتظار تلك اللحظة قد يكون متأخراً، ولذلك كان لافتاً تعليق أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، بعد حادثة فلاي دبي، حين ربط بين استمرار معركة المنطقة مع التطرف وبين خطورة تبرير الإرهاب بخطاب الكراهية، مؤكداً أن المواجهة لم تنته بعد.
هذه ليست معركة إماراتية فقط، ولا ينبغي أن تتحول إلى سجال بين دول حول من كان أكثر صواباً. إنها مشكلة عربية وإسلامية ودولية تتغير أشكالها باستمرار. تنظيمات قد تنهار، وقادة قد يُقتلون، وشبكات تمويل قد تُفكك، لكن الأفكار تستطيع النجاة من أصحابها. بل إن الخطر اليوم أكبر مع المنصات الرقمية التي تستطيع أن تنقل الإنسان من الغضب إلى التطرف داخل غرفته ومن دون أن ينتمي رسمياً إلى أي تنظيم.
ولهذا فإن المعركة المقبلة مع الإرهاب قد لا تبدأ عند الحدود ولا في المطارات ولا حتى في مقار أجهزة الأمن. إنها تبدأ في المدرسة والمنبر والمنصة الرقمية والخطاب السياسي، وفي قدرتنا على الفصل بين الدفاع عن قضية وبين تبرير قتل الأبرياء، وبين التدين واستخدام الدين مشروعاً للسلطة، وبين الاختلاف مع الآخر وتجريده من حقه في الحياة.
فأس الطوارئ الموجود في قمرة الطائرة لم يكن هو الخطر الحقيقي،الخطر الحقيقي يبدأ عندما توجد فكرة تقنع الإنسان بأن استخدامه ضد الأبرياء يمكن أن يكون عملاً مشروعاً.
