خاص لـ هات بوست:
“الموت لأميركا… الموت لإسرائيل”، ليس مجرد هتاف عابر في أدبيات الحوثيين، بل جزء من الهوية السياسية التي بنت عليها الجماعة خطابها لسنوات. لكن ما يحدث عندما ينتقل هذا الشعار من المنصة إلى طاولة القرار يكشف شيئاً مختلفا،هناك فارق كبير بين القدرة على رفع سقف المواجهة وبين الإرادة لتحمّل كلفتها عندما تصبح حقيقية.
أحدث الأمثلة جاء من عُمان، فبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز نقلاً عن خمسة مصادر، التقى مسؤولون أميركيون ممثلين عن الحوثيين في مسقط وخلال اللقاء أبلغ الحوثيون الجانب الأميركي أنهم لا ينوون مهاجمة السفن الأميركية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار المبرم مع واشنطن عام 2025 والأكثر غرابة أن مصدراً يمنياً قال إنهم أكدوا أيضاً أنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية أو السفن التجارية الأخرى، باستثناء السفن السعودية.
ولئن كان التفاوض ليس مستغرباً، فالحروب تنتهي عادة بالتفاوض، والخصوم يتحدثون حتى وهم يتقاتلون، فالمفارقة تكمن في المسافة بين لغة لا تعترف ظاهرياً بأي سقف للمواجهة مع أميركا وإسرائيل، وسلوك يرسم لهما في اللحظة الحرجة حدوداً واضحة.
والحوثيون ليسوا الاستثناء. بل إن التجربة العراقية تقدم مثالاً أوضح على الآلية نفسها، بعد اندلاع حرب غزة، كثفت فصائل عراقية مرتبطة بإيران هجماتها على القوات الأميركية في العراق وسوريا، وقدمت ذلك بوصفه جزءاً من مواجهة الوجود الأميركي ودعماً لغزة، لكن نقطة التحول جاءت في يناير 2024، عندما أدى هجوم بطائرة مسيّرة على موقع “تاور 22” في الأردن إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين.
فجأة أصبحت كلفة الشعار قابلة للقياس، بعد أقل من 48 ساعة، التقى قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني قادة فصائل عراقية في بغداد. ووفق تقرير رسمي للمفتش العام الأميركي لعملية “العزم الصلب”، نقلت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية أن قاآني طلب منهم وقف الهجمات لتجنب ضربات أميركية ضد قادة الفصائل وبنيتها التحتية، ولمنع انتقال الرد إلى إيران نفسها، وبعد ذلك توقفت الهجمات على قوات التحالف خلال تلك الفترة.
هنا تظهر القاعدة بوضوح أكبر، مواجهة أميركا مطلوبة ما دامت المواجهة قابلة للضبط أما عندما يصبح الرد الأميركي قادراً على تهديد الفصائل أو إيران، تتغير الحسابات.
ومن العراق إلى لبنان، تتكرر الفكرة وإن اختلف السياق، دخل حزب الله المواجهة بعد 7 أكتوبر تحت عنوان “جبهة إسناد غزة”، وربط عملياته بالحرب في القطاع واستمرت المواجهة أكثر من عام وتحولت إلى حرب واسعة دفع لبنان وإسرائيل ثمناً بشرياً ومادياً كبيراً لها.
لكن في نوفمبر 2024، دخل وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ بوساطة أميركية وفرنسية، توقفت الحرب على الجبهة اللبنانية، بينما استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
وهذا لا يعني أن مواجهة حزب الله كانت وهمية، كما لا يعني أن الحوثيين لم يستهدفوا إسرائيل أو الملاحة في البحر الأحمر، أو أن الفصائل العراقية لم تهاجم القوات الأميركية، كل ذلك حدث بالفعل لكن حدود هذه المواجهات بقيت، في محطات حاسمة، أضيق بكثير من سقف الخطاب الذي رافقها، فعندما ارتفعت الكلفة، ظهرت خطوط حمراء وحسابات ومخارج لا مكان لها في الشعارات.
وهنا يصبح من الصعب فصل سلوك هذه الجماعات عن النموذج الذي قدمته إيران نفسها. منذ قيام الجمهورية الإسلامية، شكّل العداء للولايات المتحدة أحد أكثر مكونات خطابها ثباتاً، “الشيطان الأكبر” لم يكن مجرد توصيف سياسي، بل أصبح جزءاً من سردية النظام وهويته، لكن خلف هذا الخطاب، كانت السياسة أكثر مرونة عندما اقتضت المصلحة ذلك.
في أبريل 2025، مثلاً، جلست إيران والولايات المتحدة إلى مسار تفاوضي حول البرنامج النووي بوساطة عُمانية، طهران أصرت على وصف المفاوضات بأنها غير مباشرة، لكن وزير الخارجية عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف تحدثا وجهاً لوجه لبضع دقائق بعد الجولة الأولى، ثم توالت جولات التفاوض حتى الجولة الخامسة في مايو.
ولا مشكلة في ذلك من منظور السياسة؛ فالدول تتفاوض مع خصومها، والتفاوض ليس استسلاماً، لكن المسألة تكشف شيئاً مهماً عن طبيعة الخطاب: ما يُقدَّم للجمهور باعتباره صراعاً أيديولوجياً بلا حلول وسط، يُدار عند مستوى الدولة بمنطق المصالح والتفاوض وحساب الربح والخسارة.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم في تجربة ما يسمى “محور المقاومة”، ليس صحيحاً أن هذا المحور لم يمتلك قوة عسكرية أو أنه لم يستخدمها. فعل ذلك مراراً وأوقع خسائر حقيقية بخصومه، لكن الوقائع تظهر أيضاً أن استخدام هذه القوة لم يكن مطلقاً كما توحي الشعارات، بل خضع لحسابات دقيقة تتعلق بالردع والكلفة وبقاء التنظيم، وفي حالة طهران، بمصالح الدولة والنظام والحفاظ عليه.
من صنعاء إلى بغداد، ومن بيروت إلى طهران، يتكرر النمط نفسه،كلما كانت كلفة الشعار منخفضة، ارتفع سقفه وكلما ارتفعت كلفة تنفيذه، انخفض سقف الفعل.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ماذا يقول الحوثيون أو حزب الله أو الفصائل العراقية أو إيران عن أميركا وإسرائيل؟
السؤال الأكثر أهمية هو، ماذا يفعلون عندما تصبح كلفة تنفيذ ما يقولونه أكبر من كلفة التراجع عنه؟ لأن المسافة بين الإجابتين هي، في كثير من الأحيان، المسافة بين الشعار والسياسة.
