خاص لـ هات بوست:
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، أدرك النظام الجديد في طهران مبكرًا أن فلسطين ليست مجرد قضية خارجية، بل واحدة من أقوى بوابات الوصول إلى الوجدان العربي.
قطعت إيران علاقاتها مع إسرائيل، وسلمت مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ورفعت شعار تحرير القدس. ظاهريًا، كان ذلك تحولًا جذريًا في السياسة الإيرانية. لكن العقود التالية كشفت أن فلسطين لم تكن فقط قضية تتبناها طهران، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد أهم مصادر الشرعية لمشروعها الإقليمي.
في لبنان، كانت المحطة الأولى الكبرى،بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ساهم الحرس الثوري الإيراني في تأسيس حزب الله وتسليحه وتدريبه. كان العنوان مقاومة الاحتلال، وهو عنوان وجد شرعية واسعة في بلد احتلت إسرائيل أجزاء منه. لكن الاحتلال انسحب من معظم جنوب لبنان عام 2000، فيما بقي السلاح، واتسعت وظيفة الحزب من مقاومة إسرائيل إلى قوة عسكرية وسياسية تتجاوز في قدراتها أحيانًا مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها.
ثم جاءت فلسطين نفسها عندما بدأت منظمة التحرير الانتقال نحو التسوية السياسية في مدريد ثم أوسلو، وجدت إيران فرصة جديدة. استضافت طهران حينها مؤتمرات للقوى الرافضة للتسوية، وتعززت علاقاتها بحماس والجهاد . وتشير دراسات موثقة إلى أن إيران قدمت منذ التسعينيات التمويل والتدريب العسكري والسلاح لحماس، في الوقت الذي كانت فيه الحركة تعارض اتفاق أوسلو الذي أنشأ السلطة الفلسطينية وفتح، مهما اختلفنا في تقييمه، مسارًا تفاوضيًا نحو تسوية سياسية.
لا يعني ذلك أن إيران وحدها أفشلت السلام، فإسرائيل بأقصى يمينها تتحمل مسؤولية مركزية عن استمرار الاحتلال والاستيطان وتقويض حل الدولتين، كما أن الانقسامات والأخطاء الفلسطينية والعربية والسياسات الأميركية لعبت أدوارًا لا يمكن تجاهلها.
لكن السؤال هنا مختلف،ماذا فعلت إيران عندما ظهرت فرص التسوية؟ في معظم المحطات، استثمرت في القوى الأكثر رفضًا لها.
والأهم أن النموذج لم يبق فلسطينيًا. في العراق، بنت طهران علاقات عميقة مع فصائل مسلحة أصبح بعضها جزءًا من الحشد الشعبي، مع احتفاظ فصائل أخرى بقدرات وقرارات عسكرية خارج السيطرة الكاملة للدولة. وفي اليمن، تطورت علاقة إيران بالحوثيين إلى دعم شمل السلاح والتكنولوجيا والتدريب. وفي سوريا، استخدمت طهران حزب الله وشبكة من المقاتلين والفصائل للدفاع عن نظام بشار الأسد خلال الحرب السورية. وهكذا اتسع ما سُمي لاحقًا “محور المقاومة” ليشمل لبنان والعراق واليمن وسوريا، إلى جانب حماس والجهاد.
واللافت أن فلسطين بقيت حاضرة في خطاب هذا المحور حتى عندما كانت بنادقه موجهة إلى ساحات عربية أخرى. حزب الله قاتل في سوريا دفاعًا عن نظام الأسد. الفصائل العراقية دخلت في صراعات داخلية وإقليمية معقدة. الحوثيون خاضوا حربًا طويلة للسيطرة على اليمن. وفي كل هذه الحالات، لم تعد وظيفة السلاح مرتبطة مباشرة بتحرير أرض فلسطينية، لكنها بقيت تُقدم ضمن سردية أوسع عنوانها “المقاومة”.
ثم جاء السابع من أكتوبر 2023 ليكشف ذروة هذه المعادلة. دخل حزب الله المواجهة تحت عنوان “إسناد غزة”. أطلق الحوثيون الصواريخ والمسيّرات وهاجموا الملاحة في البحر الأحمر تحت العنوان نفسه. وهاجمت فصائل عراقية أهدافًا أميركية وإسرائيلية باعتبار ذلك جزءًا من نصرة الفلسطينيين. وكانت تلك المرة الأولى تقريبًا التي تتحرك فيها أجزاء واسعة من الشبكة الإيرانية تحت عنوان فلسطيني واحد.
لكن بعد كل هذه العقود، من المشروع إجراء جردة حساب والإجابة على أسئلة جوهرية:
هل تحررت فلسطين؟ لا وهل قامت الدولة الفلسطينية التي ينتظرها الفلسطينيون منذ عقود؟ لا، لكن ماذا حدث في الدول التي نمت فيها قوى “المقاومة” المدعومة من إيران؟
في لبنان، أصبح قرار الحرب والسلم موضع صراع بين الدولة وحزب الله، ودفع اللبنانيون أثمانًا هائلة في الحروب المتكررة. وفي العراق، لا تزال الدولة تخوض معركة حصر السلاح بيدها. وفي اليمن، تحولت البلاد إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم. أما سوريا، فكانت لسنوات ساحة مفتوحة للقوى الإيرانية والفصائل المسلحة قبل التحولات الكبرى التي أصابت النظام ومحور طهران.
المفارقة هنا تستحق التوقف عندها، إيران قالت إن الطريق إلى القدس يمر عبر “المقاومة” ، لكن بعد أكثر من أربعة عقود، لم تصل هذه الجيوش إلى القدس، فيما وصلت إيران إلى بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء.
فلسطين بقيت محتلة، والفلسطيني بقي يبحث عن دولة، بينما أصبحت القضية الفلسطينية غطاءً مثاليًا يمنح السلاح العابر للدولة شرعية أخلاقية وسياسية يصعب الاعتراض عليها من دون أن يُتهم المعترض بالخيانة والتخلي عن فلسطين.
وهنا ربما تكمن الخسارة الأكبر، فالقضية التي كان يفترض أن توحد العرب تحولت، في المشروع الإيراني، إلى وسيلة لبناء محاور داخل الدول العربية نفسها.
وبعد كل حرب، كانت فلسطين تدفع الثمن، وكانت دولة عربية أخرى تخرج أضعف. لذلك ربما لم يعد السؤال: ماذا قدمت إيران لفلسطين؟ بل: كم دولة عربية دفعت ثمن المشروع الإيراني باسم فلسطين..من دون أن تستعيد فلسطين؟
—-
