د. ولاء الشحي
د. ولاء الشحي
إعلامية ومدربة تطوير الذات

كل هذا التواصل… وما زلنا نبحث عن خطّابة

آراء

خاص لـ هات بوست:
من «الخطّابات ومكاتب الزواج» إلى سؤال أكبر عن ثقافة المجتمع تجاه الاعتراف بالرغبة في الزواج والخصوصية والثقة

نعيش في زمن نستطيع فيه الوصول إلى أي شخص تقريبًا بضغطة زر. نرى الناس، نتابع تفاصيل حياتهم، تتسع دوائر معارفنا كل يوم… ومع ذلك، يبدو أن الوصول إلى شريك حياة مناسب أصبح أكثر تعقيدًا.
والمفارقة؟
الخطّابة عادت… وظهرت معها مكاتب للزواج.
وهنا يستحق المشهد أن نتوقف عنده:
هل نحن أمام ظاهرة اجتماعية؟ أم متطلب فرضه تغير المجتمع؟ أم تجارة وجدت سوقها في حاجة الناس إلى الزواج؟
قديمًا، كانت الخطّابة جزءًا معروفًا من المجتمع. تعرف البيوت والعائلات، وتعرف فلانًا وفلانة، وتفتح بابًا للتعارف بنيّة واضحة: الزواج. لم تكن تضمن نجاح العلاقة، لكنها كانت تختصر المسافة بين شخصين يبحثان عن الهدف نفسه.

اليوم تغيّر الشكل، وربما تغيّرت معه الحساسية الاجتماعية تجاه الفكرة.
لم تعد المسألة دائمًا «شخص يعرف شخصًا». ظهرت حسابات ووسطاء ومكاتب تقدم خدمات للتوفيق بين الراغبين في الزواج، وأصبحت العملية في بعض صورها أكثر تنظيمًا: بيانات، مواصفات، اشتراكات، رسوم وترشيحات.
لكن قبل أن نسأل عن نجاح هذه المكاتب، هناك سؤال أكثر حساسية:
هل مجتمعنا مستعد أصلًا لأن يقول الإنسان بوضوح: نعم، أنا أبحث عن شريك حياة؟
نحن نتحدث عن الزواج باعتباره أمرًا طبيعيًا ومرغوبًا، لكن حين يتحول الأمر إلى تسجيل الاسم والبيانات والرغبة الجادة في الارتباط داخل ملف مخصص لدراسة التوافق، تتغير نظرتنا فجأة.
لماذا؟
لماذا يستطيع الإنسان أن يضع سيرته الذاتية كاملة في ملف بحثًا عن وظيفة، ويذكر خبراته وطموحاته وما يبحث عنه مهنيًا، دون أي حرج… بينما قد يشعر بالحرج إذا وضع جزءًا من معلوماته في ملف آمن وسري بحثًا عن شريك حياة؟
هل المشكلة في الفكرة نفسها؟
أم في نظرة المجتمع لمن يعلن أنه يبحث عن الزواج؟
وهنا ربما يكون التحدي الحقيقي أمام مكاتب الزواج الحديثة.
ليس فقط أن تجد الأشخاص المناسبين لبعضهم، بل أن تبني الثقة الكافية لكي يكشف الإنسان عن نيته الحقيقية في الارتباط، ويقدم معلومات صادقة تسمح بدراسة التوافق، من دون أن يشعر بأنه وضع نفسه في «سوق للزواج».
فالخصوصية هنا ليست تفصيلًا.
من يطّلع على هذه البيانات؟ كيف يتم التحقق منها؟ ما الذي يُشارك مع الطرف الآخر؟ وما الذي يبقى سريًا؟ وكيف تُحمى كرامة الشخص وخصوصيته إذا لم يحدث توافق؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من عدد المرشحين الموجودين في قاعدة البيانات.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل سؤال آخر:

هل تحولت الحاجة إلى شريك حياة إلى سوق؟

ربما نعم في بعض صورها، لكنها ليست بالضرورة تجارة سلبية. فالمجتمع نفسه تغير؛ ساعات العمل أطول، دوائر التعارف التقليدية تقلصت عند البعض، وتوقعات الزواج أصبحت أكثر تعقيدًا، وأصبح كثير من الرجال والنساء يبحثون عن طريقة أكثر جدية ووضوحًا للوصول إلى الطرف المناسب.

ومن الطبيعي أن تظهر خدمات تستجيب لهذه الحاجة.

لكن الفارق كبير بين خدمة تساعد الإنسان على الاختيار، وتجارة تستثمر في خوفه من الوحدة أو تأخر الزواج.

المشكلة تبدأ عندما تُباع الوعود، أو يصبح عدد الاشتراكات أهم من جودة التوافق، أو يتحول الرجل والمرأة إلى مجموعة خانات:

العمر، الوظيفة، الراتب، الشكل، الطول، العائلة، الحالة الاجتماعية…

كلها اعتبارات قد تكون مهمة، لكنها لا تخبرنا وحدها: من هو هذا الإنسان؟

كيف يفكر؟ كيف يختلف؟ كيف يتحمل المسؤولية؟ ماذا تعني له الأسرة؟ ما قيمه؟ وما شكل الحياة التي يريد بناءها؟

ربما هنا تحديدًا تستطيع مكاتب الزواج الحديثة أن تقدم شيئًا مختلفًا عن الخطّابة التقليدية: ألا تكتفي بـ**«من يناسب المواصفات؟»**، بل تحاول أن تفهم «من يمكن أن يتوافق مع الإنسان؟»

وعندها يصبح الملف أداة لفهم التوافق، لا قائمة لعرض البشر.

وقد تكون مكاتب الزواج ظاهرة لأن حضورها أصبح لافتًا، ومتطلبًا لأن شكل المجتمع تغير، وتجارة لأنها تقدم خدمة مقابل المال.

ولا مشكلة في أن تجتمع الثلاثة… ما دامت المهنية والخصوصية وكرامة الإنسان تسبق الربح.

لذلك ربما السؤال الأكبر ليس:
لماذا عادت الخطّابة؟ ولماذا ظهرت مكاتب الزواج؟
بل:
هل نحن مستعدون ثقافيًا لفكرة أن البحث الجاد عن شريك حياة ليس عيبًا ولا اعترافًا بالفشل… بل قرار طبيعي مثل أي قرار مهم آخر في الحياة؟
نحن نملك اليوم ألف وسيلة للتواصل، لكن يبدو أن التحدي لم يعد في الوصول إلى الناس.
التحدي أن نعرف من يريد فعلًا أن يرتبط…
وأن نملك نحن أيضًا الجرأة لنقول: نعم، أنا أبحث عن شريك حياة