د. ولاء الشحي
د. ولاء الشحي
إعلامية ومدربة تطوير الذات

ترف الوعي وفقر العلاقات

آراء

لم يسبق أن عرفنا عن العلاقات بقدر ما نعرف اليوم.

نعرف عن الحدود، والتعلّق، والانسحاب، والاحتواء، والذكاء العاطفي، والعلاقات السامة، والرايات الحمراء والخضراء. نقرأ، ونستمع، ونحلّل، ونصنّف الأشخاص والمواقف، حتى أصبح لدى الكثير منا قاموس كامل يشرح له كيف يجب أن تكون العلاقة.

لكن السؤال الأهم: هل أصبحنا فعلًا أفضل في عيش العلاقات؟

المفارقة أن الوعي ازداد، بينما البساطة في العلاقات تراجعت.

صرنا ندخل بعض العلاقات ونحن نحمل قائمة طويلة من الشروط والتوقعات والمخاوف والتحليلات. نراقب الكلمة، ونفسّر الصمت، ونقيس الاهتمام، ونختبر النوايا، ونبحث عن الإشارات… حتى أصبحنا أحيانًا نفكر في العلاقة أكثر مما نعيشها.

ولا يعني ذلك أن الوعي خطأ. على العكس، الوعي ضرورة تحمينا من الأذى، وتساعدنا على فهم أنفسنا والآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الوعي من بوصلة تقود العلاقة إلى مجهر نفحص من خلاله كل تفصيل فيها.

فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالنظريات وحدها.

تُبنى بالصدق، والرحمة، والاحترام، والتجاوز، وحسن الظن، والقدرة على الاعتذار، وعلى أن نقبل أن الإنسان الذي أمامنا لن يكون كاملًا… تمامًا كما أننا لسنا كاملين.

وربما قبل أن نسأل: كيف أصلح علاقتي بالآخرين؟ علينا أن نعود إلى أصل أبسط وأعمق.

كيف هي علاقتي بربي؟ وكيف هي علاقتي بقلبي؟

حين تستقيم علاقة الإنسان بربه، يتغير داخله قبل أن تتغير علاقاته. يعرف أن قيمته ليست معلقة بقبول شخص، وأن فقد أحدهم لا يعني فقد ذاته، وأن الحب لا يحتاج إلى إذلال، وأن التعلق بالبشر لا ينبغي أن يتحول إلى اعتماد كامل عليهم.

ثم تأتي العلاقة بالقلب؛ أن يفهم الإنسان نفسه، ويصالحها، ويعرف احتياجاتها ومخاوفها وحدودها، وألا يطلب من الآخرين أن يملؤوا فراغًا لم يحاول هو فهمه أصلًا.

ومن هنا تبدأ بقية العلاقات في أخذ حجمها الطبيعي.

لا يصبح الزوج مسؤولًا عن كل سعادتنا، ولا الصديق مطالبًا بفهمنا في كل لحظة، ولا الأبناء مشروعًا لتحقيق أحلامنا، ولا اختلاف شخص معنا إعلانًا بانتهاء المحبة.

المعادلة في أصلها أبسط مما جعلناها:
علاقة مع الله تضبط البوصلة،
وعلاقة مع الذات تهدّئ القلب،
فتستقيم مساحة كبيرة من علاقتنا بالناس.

ربما مشكلتنا اليوم ليست نقص الوعي بالعلاقات، بل أننا جعلنا العلاقات موضوعًا نفكر فيه أكثر مما جعلناها تجربة إنسانية نعيشها.

فليس كل موقف يحتاج إلى تحليل، ولا كل اختلاف يحتاج إلى انسحاب، ولا كل نقص في الآخر يعني أنه شخص سام، ولا كل علاقة ناجحة يجب أن تطابق ما قرأناه وسمعناه.

بعض العلاقات تحتاج فقط إلى إنسانين ناضجين يعرفان أن الحب ليس كمالًا، وأن القرب لا يلغي الاختلاف، وأن التسامح لا يعني التنازل عن الكرامة، وأن الحدود لا تعني القسوة.

وفي زمن أصبح فيه الجميع يبحث عن العلاقة الصحيحة، ربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا مختلفًا:

هل نبحث عن الشخص المناسب… أم نعمل أولًا على أن نكون نحن أشخاصًا قادرين على بناء علاقة مناسبة؟

لأن أجمل العلاقات لا تبدأ عندما نجد شخصًا يعرف كيف يحبنا فقط، بل عندما نصل نحن إلى مكان داخلي يجعلنا نعرف كيف نحب، وكيف نعطي، وكيف نختلف، وكيف نحافظ على أنفسنا دون أن نخسر الآخرين.

وفي النهاية، قد لا نحتاج إلى المزيد من الدروس عن العلاقات بقدر ما نحتاج إلى العودة إلى أصلها:

ربٌّ نتصل به،
وقلبٌ نتصالح معه،
وإنسانٌ أمامنا نراه كما هو… لا كما تقول عنه النظريات