مناعة الفن

آراء

خاص لـ هات بوست: 

في عالم يبدو أكثر سرعة واضطرابًا، لا نملك دائمًا ترف التوقّف لفهم ما يحدث حولنا، أو حتى ما يحدث داخلنا. تتوالى التحولات الاجتماعية، وتتبدّل القيم والعلاقات وأنماط العيش، ونجد أنفسنا أحيانًا أمام واقع لم نختر الكثير من شروطه، لكننا مطالبون، مع ذلك، بأن نعيش فيه وأن نتكيّف معه.

وسط هذا كله، ربما نحتاج إلى إعادة النظر في وظيفة الفن؛ لا باعتباره ترفًا، ولا وسيلة للهروب من الواقع، ولا حتى علاجًا له، بل بوصفه نوعًا من المناعة الإنسانية.

هذه المناعة لا تلغي الخطر، ولا تمنعنا من التعرّض له، لكنها تمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهته. ولعلّ الفنون تفعل شيئًا شبيهًا بأرواحنا وعقولنا. لا تُنهي الروايةُ الوحدة، ولا توقف لوحةٌ حربًا، ولا يصلح فيلمٌ ما أفسدته التحولات الاجتماعية، ولا تعيد قصيدةٌ الزمن إلى الوراء. لكنها قد تمنحنا قدرة أخرى على احتمال العالم وفهمه، وربما على ألّا نفقد أنفسنا داخله.

وحتى حين يكون الفن مأساويًا، فإنه لا يضيف بالضرورة حزنًا إلى حزننا. منذ حديث أرسطو عن “التطهير” في التراجيديا، ظلّ سؤال العلاقة بين الفن وانفعالاتنا حاضرًا: لماذا نذهب بإرادتنا إلى حكاية نعرف أنها ستؤلمنا؟ ولماذا نقرأ عن الفقد والخوف والموت والحب المستحيل، بينما يكفينا ما في حياتنا من كل ذلك؟

ربما لأن الفن يمنح الألم شكلًا يمكن تأمله. يسمح لنا بأن نقترب من مشاعر قد نتجنبها في حياتنا اليومية، وأن نجلس قليلًا أمام ما لا نملك له حلًا. وفي هذه المساحة، نستعيد شيئًا من إنسانيتنا التي قد تشحب تحت وطأة الانشغال والسرعة والقلق.

لكن المناعة التي يصنعها الفن ليست عاطفية فقط؛ إنها فكرية أيضًا.

فالرواية تسمح لنا بأن نسكن، ولو مؤقتًا، وعي شخص آخر. والسينما تجعلنا نرى العالم من عين ليست عيننا. واللوحة تدعونا إلى التحديق فيما ربما كنا سنمرّ أمامه دون انتباه. والموسيقى تمنح شكلًا لمشاعر قد تعجز اللغة العادية عن تسميتها.

وهكذا يعيد الفن إلى الإنسان شيئًا يهدده الواقع كثيرًا: البعد الآخر.

إنّ الآخر الذي قد نختصره في موقف أو هوية أو حكم مسبق، يصبح في العمل الفني إنسانًا له تاريخ ومخاوف وتناقضات ورغبات. وهذا لا يعني أن نتفق معه، بل أن نستعيد قدرتنا على فهمه. وربما كانت هذه القدرة، في زمن يسهل فيه إصدار الأحكام أكثر من محاولة الفهم، إحدى أهم صور المناعة التي نحتاج إليها.

ولا ينبغي أن تكون هذه الوظيفة حكرًا على النخبة. فالفن الذي يحمي إنسانيتنا لا يسكن المتاحف والكتب الكبرى وحدها. قد نجده في أغنية، أو مسلسل، أو فيلم جماهيري، أو حكاية للأطفال، أو صورة، أو عرض مسرحي، أو قصيدة تمرّ أمامنا دون أن نبحث عنها.

المسألة ليست دائمًا في الفصل بين فن “رفيع” وآخر شعبي، بل ربما في سؤال أكثر سهولة: هل يخاطب هذا العمل الإنسان بوصفه إنسانًا، أم يتعامل معه باعتباره مجرد مستهلك؟

وهنا تلتقي الفنون بالإعلام وبما يمكن أن نصطلح على تسميته “القوة الناعمة”. فأكثر الأعمال تأثيرًا ليست بالضرورة تلك التي تقدّم لنا درسًا مباشرًا، أو تخبرنا كيف ينبغي أن نفكر ونشعر. بل ربما تكون تلك التي تحكي جيدًا، وتطرح السؤال دون أن تملي الإجابة، وتجعلنا نتعاطف قبل أن ندرك أن شيئًا في نظرتنا قد تغيّر.

القوة الناعمة الحقيقية لا تكمن في تلقين الناس الأفكار، بل في توسيع المساحة التي يستطيعون داخلها أن يشعروا ويفكروا ويتخيّلوا.

ربما لا تستطيع الفنون أن تجعل العالم أقل قسوة، ولا أن تقدّم حلولًا سحرية لواقع يبدو أحيانًا أقرب إلى الديستوبيا. لكنها تستطيع أن تحمي فينا شيئًا من أن يصبح شبيهًا بهذا الواقع.

نحن لا نحتاج إلى الفن لأنه يحمينا من الواقع، بل لأنه، في أفضل حالاته، يحمي شيئًا إنسانيًا فينا ونحن نواجه هذا الواقع.