“ماما، أنت من الزمن القديم.”

آراء

خاص لـ هات بوست:

هناك جدال أخسره أكثر مما أحب أن أعترف.

وغالبًا ما يكون مع ابنتي ذات السنوات السبع.

يبدأ عادة بطلب شراء لعبة جديدة على جهاز الـiPad، أو بقراري أن وقت الشاشة قد انتهى. أقدّم حججي بصفتي الأم، فتردّ هي وكأنها أعدّت مرافعة قانونية كاملة.

قالت لي ذات يوم، بثقة مطلقة:

“ماما، أنتِ من الزمن القديم.”

ضحكت.

وكانت محقّة.

     وُلدت في الثمانينيات، وعشت طفولة كانت فيها الكتب تجيب عن فضولنا، لا الخوارزميات. كان علينا أن نبحث عن المعلومة بدل أن نستدعيها في لحظة، وكان الانضباط نادرًا ما يخضع للتفاوض، وغالبًا ما كانت عبارة “لأنني قلت ذلك” كافية لإنهاء النقاش.

     أما هي، فتنتمي إلى عالم مختلف تمامًا؛ عالم الشاشات التي تعمل باللمس، والذكاء الاصطناعي، والإجابات الفورية، والتحفيز الرقمي الذي لا ينتهي.

لكن ما يثير اهتمامي ليس التكنولوجيا في حد ذاتها، بل ما يحدث حولها.

     فنادرًا ما تنتهي حواراتنا بـ”نعم” أو “لا”. تتحول إلى نقاشات. تجادلني. تسألني. تفاوضني. وأحيانًا تنجح بالفعل في تغيير رأيي. وفي أحيان أخرى، أضع افتراضاتها موضع تساؤل، حتى تعود هي نفسها إلى التفكير فيها من جديد.

هذه الحوارات مرهقة أحيانًا، وتتطلب بالتأكيد قدرًا من الصبر يفوق ما كانت تتطلبه نماذج التربية التي ورثها كثير منا.

لكنها علمتني أيضًا شيئًا أعمق.

ربما لا يكون التحدي التربوي الأكبر في عصرنا أن نربي أطفالًا يعرفون كيف يستخدمون التكنولوجيا. بل أن نربي أطفالًا يعرفون كيف يفكرون أبعد من الشاشة أو “خارج الصندوق”.

     فحين يضع الذكاء الاصطناعي الإجابات في متناول الجميع، لا تعود المعلومة هي المورد النادر. ما يصبح نادرًا هو القدرة على الحكم والتمييز، الفضول، والرغبة في طرح السؤال، ثم الشك في الإجابة، والعودة إلى السؤال من جديد.

والأهم، القدرة على طرح سؤال قد يكون أفضل من السؤال الذي تستطيع الآلة أن تجيب عنه.

     فالمعرفة وحدها لم تعد كافية. ما سيزداد أهمية هو أن يعرف الطفل كيف يفكر، وكيف يشكك في الافتراضات، ويربط بين الأفكار، ويصغي إلى رأي مختلف، ثم يدافع عن استنتاجاته أو يملك الشجاعة لتغييرها. وهنا تكمن المفارقة.

في اللحظة التي تستحوذ فيها الشاشات على انتباه أطفالنا أكثر من أي وقت مضى، تصبح الصفات التي قد تميزهم في المستقبل صفات إنسانية بامتياز:

التفكير. التعاطف. الخيال. الفضول. والتفكير النقدي.

     ربما، إذن، لا يكون دورنا كآباء ومعلمين أن نفوز بكل جدال. وربما لا تكون ابنتي مخطئة تمامًا حين تقول إنني “من الزمن القديم”. لكن دوري ليس أن أجعلها تنتمي إلى زمني، ولا أن أحاول إبعادها عن زمنها. دوري، ربما، أن أمنحها مساحة كافية لتسألني، وتختلف معي، وتحاول إقناعي، وأحيانًا تنجح.

     دوري هو أن نخوض معًا ما يكفي من الحوارات الحقيقية، وما يكفي من الأسئلة، وما يكفي من الاختلافات ذات المعنى. حتى يأتي يوم لا تحتاج فيه إلى أن تسألني عن الإجابة. بل تعرف كيف تبحث عنها، وكيف تشك فيها، وكيف تفكر فيها بنفسها.