خاص لـ هات بوست:
مررتُ بقراءةٍ حائرةٍ في أحد المنشورات، تعبّر كاتِبته بألمٍ عن تردّدها الوجِل في طرح فكرة النظر في الخيارات الفقهية في المسائل التي ورد فيها الخلاف، خوفًا من تهمة التساهل واتباع الهوى إن هي مالت إلى الرأي الأيسر أو المجيز مقابل الرأي الأشد أو المانع!
وقبل أن أنهي قراءة المنشور جال أمام عيني قول أمنا عائشة في سياق إخبارها عن رسولنا الكريم – وهو سياق مدحٍ بلا شك – أنه “ما خُيِّرَ بين أمرَين إلا أخذ أيسرهما…”، واستحضرتُ حينها قول الله تعالى: “یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ…”، لذا فإن موقفي من تردد الكاتِبة كان حاسمًا وجليًا لا يحتاج إلى طول تفكيرٍ أو نظر.
تعلمنا دائمًا أن اختلاف العلماء رحمة، وأن تعدّد الأقوال الفقهية في مسألةٍ ليس فيها حكمٌ قطعيٌّ ثابتٌ هو شكلٌ من أشكال السعة، وأنه ما دام لكلٍّ بحثُه ودليلُه فرأيه سائغٌ ولا يصح تخطئته، فمن أين جاء الاعتقاد بأن المشقّة ضرورة من ضرورات العبادة؟ وأن قيمة العمل الصالح وصدق التدين يُقاسان بمقدار العَنَت المصاحب لهما؟ ومن الذي أوهمنا أن اختيار الأشد دليلُ إخلاصٍ ويدخل في نطاق الورع والتحرّز، وأن اختيار الأيسر دليلُ استخفافٍ ويدخل في نطاق الهوى والتفريط؟!
صحيحٌ أن “الأجر على قدر المشقّة” لكنني لا أتصور أن الله يطلبها لنفسها، وإنما يُؤجر المرء على صبره إذا اعترضته مشقّةٌ اضطراريةٌ – لا يمكن التخلص منها – في طريق الطاعة، لذا فإن النظر إليها كأمرٍ مطلوبٍ لذاته هو – في نظري – انحرافٌ عن مقصد العبادة وتحميلٌ للمسلم ما لم يحمّله الله، وهو القائل: “لَا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ …”
لا أعفي نفسي هنا، فقد مررتُ بمرحلةٍ طارئةٍ – في منتصف عمري – امتنعتُ فيها عن سماع الموسيقى والغناء، إذ كان الرأي “الأعلى صوتًا” حينها أنهما محرّمان – رغم أنهما سائغان في محيطي الاجتماعي – لكنني لم أشعر بالراحة ولا السكينة كما توقعت، وكأن هناك ما يَنقصني ويقضم من (تمام) كينونتي!
ولعلها كانت عقوبتي لأنني اتبعتُ “رأيًا” دون تمعّنٍ أو تفكيرٍ أو حتى مجرد نظر، معتقدةً بذلك أنني أعمل صالحًا!
عرفتُ ذلك عندما راجعتُ الفكرة بعد بضع سنوات، ووجدتُ كيف أعادتني الموسيقى إلى طبيعة “ميرة” المنسجمة مع نفسها بكل بساطة. رأيتُ كيف أن الموسيقى لم تبعدني عن ربي، ولم تتعدَّ على ديني، ولم تزاحم عبادتي، ولم تنَلْ من قيمي – كما لم تفعل من قبل – وأنني أنا التي ظلمتها وظلمتُ نفسي عندما ظننتُ – خطأً – أن امتناعي عنها سيجعلني امرأةً أفضل!
وهنا أعود إلى مفهوم “اختلاف العلماء رحمة”، ليس لكونه إعفاءً للمسلم من مسؤوليته التكليفية الأصيلة، وإنما لكونه دفعًا للحرج، ومراعاةً لقدراته واستعداده النفسي في تقبّل وتطبيق هذا الرأي أو ذاك بما يتناسب مع تنوّع الأحوال والعصور والأعراف، دون إشعاره بالتقصير والتفريط واتباع الهوى.
وهذا يأخذني إلى زاوية أخرى، وهي مسؤولية الفقيه وأمانة النقل، فالفقيه الحقيقي – في تقديري – هو الذي يعرض أوجه المسألة والأقوال التي وردت فيها كافةً بأمانةٍ ونزاهة، دون التحيّز للرأي الذي يرجّحه أو ممارسة الوصاية والحكم على ضمير السائل أو اعتبار ورعه الشخصي معيارًا وحيدًا للحق، ثم يترك للسائل الخيار بحسب اقتناعه وطاقته المادية والنفسية وبما يراعي واقع حاله، فالاختلاف الفقهي جاء ليرشدنا إلى براحات السعة التي أفاضها الله، ليكون التديّن باعثًا على السكينة والرحمة، لا على التضييق والتكلّف.
وآخِر القول..
التديّن الحقيقي بنيانُه الاطمئنان، ورسولنا ﷺ يقول: “البرُّ ما اطمأنتْ إليهِ النفسُ ، واطمأنَ إليهِ القلب…”
