محمد جلال الريسي
محمد جلال الريسي
إعلامي إماراتي

عندما تنتصر السّردية على الأرقام… كيف يبني الإعلام صورة الأمم؟

الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦

     لم يعد نجاح الإعلام في العصر الحديث يقاس بعدد الأخبار المنشورة أو حجم الإنفاق الإعلامي، بل بقدرته على بناء سردية مقنعة تترسخ في أذهان الجمهور. فالإعلام ينتصر عندما يكسب الثقة ويمنح الأحداث معنى ويحوّل الإنجازات إلى قصص ملهمة تتجاوز حدود المكان والزمان.      ولهذا، قد يحقق مشروع تنموي محدود التكلفة انتشاراً عالمياً يفوق مشروعاً آخر بمليارات الدولارات، لأن الأول امتلك قصة مؤثرة بينما اكتفى الثاني بعرض الأرقام.      تدرك الدول الكبرى أن الإعلام لم يعد أداة لنقل الخبر، بل أصبح جزءاً من منظومة القوة الوطنية، يسهم في بناء السمعة وتعزيز الثقة وجذب الاستثمار ودعم السياحة وترسيخ النفوذ السياسي والثقافي. لذلك، لا تترك الدول مشاريعها الاستراتيجية من دون رواية إعلامية، بل تحيطها بخطط اتصال تبدأ قبل الإعلان عنها وتستمر خلال التنفيذ ولا تنتهي عند الافتتاح.      وعندما تتعرض الدول لحملات إعلامية معادية، فإن المواجهة لا تكون بالردود المتأخرة أو البيانات التقليدية بل ببناء سردية قوية قائمة على الحقائق والإنجازات والشفافية. فالرأي العام العالمي لا يتذكر من رد أكثر، بل يتذكر من امتلك الرواية الأكثر مصداقية واتساقاً واستمرارية.      ومن هنا يصبح الاتصال الاستراتيجي شريكاً في صناعة الإنجاز لا مرحلة تالية له. فالمشروع الذي لا يُروى للعالم، كأنه لم يُنجز إعلامياً مهما بلغت قيمته الاقتصادية أو…

من صدمة الصراع إلى معادلة التعافي: من يهدم ومن ينهض في الشرق الأوسط

الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦

     لم تكن الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهةٍ عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة أعادت رسم ملامح الواقع الاقتصادي والسياسي في المنطقة. فقد أظهرت التطورات كيف يمكن لقرار الصراع أن ينسف سنواتٍ من البناء، وكيف يمكن لنموذج دولة أن يصمد، بينما ينهار آخر تحت وطأة خياراته.      تقرير البنك الدولي (نيسان/ أبريل 2026) يضعنا أمام صورةٍ دقيقة لحجم الصدمة؛ إذ أدى تعطّل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز العالمي إلى اضطرابٍ غير مسبوقٍ في أسواق الطاقة، فارتفع سعر النفط إلى نحو 112 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 60%، كما ارتفعت أسعار الغاز بنحو 70%. ولم تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبةٍ تصل إلى 95%، ما انعكس مباشرةً على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.      هذه الصدمة لم تكن محايدة، بل كشفت هشاشة بعض الاقتصادات، وفي مقدمها إيران. فالدولة التي دخلت الأزمة وهي تعاني أصلاً من تضخمٍ حاد بلغ نحو 99% في أسعار الغذاء، وجدت نفسها أمام انهيارٍ شبه كامل في النشاط الاقتصادي، مع تعطّل التجارة وتضرر البنية التحتية وتوقف قطاعات الإنتاج الحيوية. ومع نزوح نحو 3.2 ملايين شخص خلال أسبوعين فقط، لم يعد الحديث عن أزمة اقتصادية فقط، بل عن تفكك داخلي شامل. نهج التصعيد      ولم…