الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
تكشف قراءة المشاركة العربية في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عن تحوّل يستحق التوقف عنده. فالمشهد لم يعد محصوراً بحضور عربي للدفاع عن قضايا المنطقة أو التعامل مع أزماتها، بل بدأت تتشكل ملامح دور أوسع، تسعى من خلاله دول عربية إلى أن تكون شريكاً في صوغ الإجابات عن الأسئلة التي تشغل العالم. صحيح أن فلسطين وغزة والسودان واليمن والأمن الإقليمي ظلت في قلب التحركات العربية، إلا أن الأجندات التي حملتها دول عدة تجاوزت الجغرافيا السياسية للمنطقة إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة والمناخ والمياه والتنمية والاقتصاد وإصلاح المؤسسات الدولية والعمل الإنساني. عندما نتحدث عن الدلالة الاستراتيجية، فالإمارات على سبيل المثال قدمت أجندة متعددة المسار، من تسوية النزاعات والاستقرار والتعايش إلى تطوير منظومة الأمم المتحدة والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، ومن المناخ والأمن المائي إلى الاقتصاد والاستثمار وسلاسل الإمداد. وربط ذلك باستحقاقات دولية مقبلة، بينها مؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي تستضيفه. هذا النموذج يعكس توجهاً نحو بناء حضور يقوم على امتلاك ملفاتٍ دولية يمكن الدولة أن تجمع حولها الحكومات والمؤسسات والقطاع الخاص. ويمكن رصد مساراتٍ متخصصة لدى دول عربية أخرى. السعودية ربطت الأمن الإقليمي بأمن الطاقة والتنمية والتحول الاقتصادي والمناخ والتكنولوجيا. واصلت قطر الاستثمار في الوساطة والديبلوماسية الوقائية بالتوازي مع التنمية والصحة والتعليم. وطرحت مصر إلى جانب أدوارها الإقليمية، إصلاح…
الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦
في عالم يعاد فيه تشكيل موازين القوّة لم تعد العلاقات الدولية تُقاس بعدد الزيارات الرسمية أو البيانات المشتركة، بل بحجم المصالح التي تنتجها وقدرتها على تعزيز موقع الدولة وحماية مستقبلها. فالقوة اليوم لا تعني فقط ما تملكه الدول من موارد إنما قدرتها على تحويل هذه الموارد وعلاقاتها الدولية إلى نفوذ وشراكات مستدامة. وهنا يبرز درس استراتيجي مهم للعالم العربي، وهو أن العلاقات الجيدة ضرورية لكن المصالح المتبادلة هي التي تمنحها الاستدامة والقدرة على الصمود أمام الأزمات. لقد تغير مفهوم التحالفات؛ فالدول قد تختلف سياسياً وتتفق اقتصادياً وتتنافس في ملف وتتعاون في آخر. ولم يعد النجاح مرتبطاً بالتطابق الكامل في المواقف بل بالقدرة على اكتشاف مساحات المصالح المشتركة وتحويلها إلى تجارة واستثمار وتكنولوجيا ومعرفة وأمن اقتصادي. وتقدم الإمارات نموذجاً مهماً في هذا المجال، فقد نجحت في بناء شبكة متنوعة من العلاقات والشراكات الدولية انطلاقاً من قراءة واقعية للمصلحة الوطنية وسياسة تقوم على استباق التحولات وبناء علاقات طويلة الأمد مع القوى المؤثرة. والعلاقة الإماراتية - الألمانية مثال واضح؛ فألمانيا تمتلك ثقلاً صناعياً ومعرفياً وتكنولوجياً فيما استطاعت الإمارات تحويل موقعها ومواردها ورؤيتها إلى مركز عالمي للتجارة والاستثمار والطاقة والخدمات اللوجستية؛ وعندما تتكامل عناصر القوة تتحول العلاقة من تبادل للمنافع الآنية إلى استثمار مشترك في المستقبل. وهذا ما يحتاج العالم العربي إلى البناء عليه؛…
الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦
لم يعد نجاح الإعلام في العصر الحديث يقاس بعدد الأخبار المنشورة أو حجم الإنفاق الإعلامي، بل بقدرته على بناء سردية مقنعة تترسخ في أذهان الجمهور. فالإعلام ينتصر عندما يكسب الثقة ويمنح الأحداث معنى ويحوّل الإنجازات إلى قصص ملهمة تتجاوز حدود المكان والزمان. ولهذا، قد يحقق مشروع تنموي محدود التكلفة انتشاراً عالمياً يفوق مشروعاً آخر بمليارات الدولارات، لأن الأول امتلك قصة مؤثرة بينما اكتفى الثاني بعرض الأرقام. تدرك الدول الكبرى أن الإعلام لم يعد أداة لنقل الخبر، بل أصبح جزءاً من منظومة القوة الوطنية، يسهم في بناء السمعة وتعزيز الثقة وجذب الاستثمار ودعم السياحة وترسيخ النفوذ السياسي والثقافي. لذلك، لا تترك الدول مشاريعها الاستراتيجية من دون رواية إعلامية، بل تحيطها بخطط اتصال تبدأ قبل الإعلان عنها وتستمر خلال التنفيذ ولا تنتهي عند الافتتاح. وعندما تتعرض الدول لحملات إعلامية معادية، فإن المواجهة لا تكون بالردود المتأخرة أو البيانات التقليدية بل ببناء سردية قوية قائمة على الحقائق والإنجازات والشفافية. فالرأي العام العالمي لا يتذكر من رد أكثر، بل يتذكر من امتلك الرواية الأكثر مصداقية واتساقاً واستمرارية. ومن هنا يصبح الاتصال الاستراتيجي شريكاً في صناعة الإنجاز لا مرحلة تالية له. فالمشروع الذي لا يُروى للعالم، كأنه لم يُنجز إعلامياً مهما بلغت قيمته الاقتصادية أو…
الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦
لم تكن الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهةٍ عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة أعادت رسم ملامح الواقع الاقتصادي والسياسي في المنطقة. فقد أظهرت التطورات كيف يمكن لقرار الصراع أن ينسف سنواتٍ من البناء، وكيف يمكن لنموذج دولة أن يصمد، بينما ينهار آخر تحت وطأة خياراته. تقرير البنك الدولي (نيسان/ أبريل 2026) يضعنا أمام صورةٍ دقيقة لحجم الصدمة؛ إذ أدى تعطّل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز العالمي إلى اضطرابٍ غير مسبوقٍ في أسواق الطاقة، فارتفع سعر النفط إلى نحو 112 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 60%، كما ارتفعت أسعار الغاز بنحو 70%. ولم تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبةٍ تصل إلى 95%، ما انعكس مباشرةً على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية. هذه الصدمة لم تكن محايدة، بل كشفت هشاشة بعض الاقتصادات، وفي مقدمها إيران. فالدولة التي دخلت الأزمة وهي تعاني أصلاً من تضخمٍ حاد بلغ نحو 99% في أسعار الغذاء، وجدت نفسها أمام انهيارٍ شبه كامل في النشاط الاقتصادي، مع تعطّل التجارة وتضرر البنية التحتية وتوقف قطاعات الإنتاج الحيوية. ومع نزوح نحو 3.2 ملايين شخص خلال أسبوعين فقط، لم يعد الحديث عن أزمة اقتصادية فقط، بل عن تفكك داخلي شامل. نهج التصعيد ولم…