ملل!

آراء

خاص لـ هات بوست: 

استوقفني خبر غير اعتيادي عن رفع موظف في فرنسا يعمل بشركة للعطور قضيةً على شركته، بدعوى أن وظيفته كانت مملة جداً وتسببت له في أزمة نفسية، والغريب أن الخبر يقول إنه حصل بالفعل على تعويض مالي يعادل 45 ألف دولار.

يشغلني موضوع الملل منذ مدة، للحد الذي دفعني لكتابة قصة قصيرة هو عنوانها، والمدهش أن هذه القصة بالذات لاقت اهتماماً واستحساناً من هذا الجيل الذي يكاد لا يخلو يوم من أيامه من تبرم واضح وصريح، عنوانه الرئيس الملل، بكل تعابيره ومفرداته وآثاره التي يتركها على الوجوه.

أليست مفارقة عجيبة؟ هذا الجيل الذي يتمتع بمستويات عالية جداً من وسائل الرفاهية والترفيه، بألعابه وأجهزته، بل ومدن ملاهيه ذات المواصفات العالمية، والتي لا غاية لها سوى الترفيه ودفع الملل بعيداً، ناهيك عن كل الأسفار والرحلات والبرامج والأنشطة ومراكز التسوق والمهرجانات… إلخ، التي حظي بها هذا الجيل دون غيره.

نحن، على خلاف ذلك، ننتمي إلى أجيال ما كان لمفردة «ملل» مكان في قاموسها، رغم محدودية الأشياء والوسائل المحيطة بها. كنا نخترع لنا ألعاباً وأحجيات ووسائل ترفيه، ولا نمانع كل تلك الأيام التي نقضيها بين جدران المنزل، براحة بال وهناء ورضا لا ينضب معينه.

أميل إلى اعتبار الملل وسيلة مثلى للإبداع بكل أشكاله، بل قد يكون سبباً أساسياً ومقدمة ضرورية له، فالخيال لا يعمل دائماً تحت ضغط المثيرات المتلاحقة؛ يحتاج إلى فسحة، وإلى وقت لا يُطلب منه فيه شيء ولا يُنتظر منه شيء.

يقول برتراند راسل: «إن قدراً من القدرة على تحمّل الملل أمر ضروري لحياة سعيدة، وهو من الأمور التي ينبغي تعليمها للصغار.»

والأرجح أنه يعني تعليم الصغار التعاطي مع الملل، وليس الملل ذاته الذي يجيدونه بالفطرة.

وهذا يذكرني بميلان كونديرا وخفة كائنه التي لا تحتمل، إذ يقول: «رتابة الحياة كانت تُنبت السعادة، لا الملل.»

كان هذا الفيلسوف المتنكر على هيئة روائي يربط ذلك بمقدار الشغف، حيث تصبح الرتابة وتكرار الفصول والأشياء المألوفة ومحدودية الخيارات أقرب إلى صورة من صور الفردوس.

شخصياً، ما زال مذاق ذاك الفردوس في فمي، وقد لا يتجاوز حينها سقف غرفتي المفتوح على كل الاحتمالات والأفكار والأسئلة والتأملات.. فإن تصادف أن كنت محظوظة وفي يدي كتاب ما، حلّقت في فضاءات أعلى بأجنحة لا تتكسر.

ما الذي حدث حقيقة؟ ما الذي شرّع الملل بوصفه عيوناً يملؤها الفراغ، وشفاهاً ملوية متبرمة، بصرف النظر عن المحيط الزاخر؟

ربما لم يتغير العالم من حولنا بقدر ما تغيرت علاقتنا به. أصبحنا نطلب من الحياة أن تكون مشغولة بنا طوال الوقت؛ شاشة تضيء، إشعاراً يصل، مكاناً نذهب إليه أو يأتي لنا، ومشهداً جديداً يملأ الفراغ قبل أن نسمح للفراغ بأن يقول شيئاً وننصت له.

ربما لهذا أصبح الملل مخيفاً. ليس لأنه فارغ، بل لأنه يتركنا وجهاً لوجه مع أنفسنا.

بودي لو نعيد للملل شيئاً من سمعته القديمة، شيئاً من التململ اللذيذ ومقدرة على تحمّل فراغ حقيقي يعمل بصمت ودون ضجيج، ففي هذا الفراغ تحديداً قد يبدأ شيء ما فائق الدهشة.