خاص لـ هات بوست:
صلتي بشركة اتصالات ملتبسة، لا تبدأ عند الهاتف الرمادي الذي يتوسط سلة مزخرفة، ويقبع في مكان شبه مقدس من الصالة العائلية، وتتهافت عليه الأيدي عندما يرن تلك الرنة الرتيبة التي لا بديل لها، ولا تنتهي عندما طارت الطيور بأسهمها وأرباحها السخية، لأننا كنا صغاراً وفاتنا الاكتتاب. ولا تتوقف عند ذكرى أول هاتف محمول، أشبه بشنطة ثقيلة، حمله والدي بفخر، ودهشتنا وهو يجري منه مكالمة ناجحة إلى حد ما.. أو زهو بعض السيارات بعدد الأنتينات التي ترفرف على ظهرها مثل نياشين، أو البليبات والبيجرات وصناديق الاتصال بالعملة المعدنية وتزاحم الخلق عليها.
تاريخ طويل ومربك من العقود الاحتكارية، والشعور بالغبن أحياناً وبالامتنان أحياناً أخرى، والانتظار على الطرف الآخر من الخط، والخيارات المحيّرة، والعودة للقائمة، والعروض الترويجية التي تحمل بين طياتها العديد من الاحتمالات والإغراءات والمعاني المبطنة.
شعارها واسمها الذي حزنا لرحيله وسعدنا بعودته، وشركة دو التي تشبه الابن الضال، ولا خيار آخر.. حاجتنا للواي فاي وحده، وقبولنا للمنافع التي تأتي معه، مثل «برنامج غصباً عنك»: قنوات لا نشاهدها ومزايا لا نجيد الوصول إليها.
كل هذا ونحن نحب اتصالات ونحتفل معها بوصولها إلى سن الخمسين؛ سنّ يوحي بالثقة والخبرة والطمأنينة، لكنها تفاجئنا بهدية ظاهرها السخاء، عبارة عن بيانات بعدد سنوات تاريخنا معها، تأتي وتتسرب من بين الأصابع بلا استهلاك فعلي، فنضحك لأن اتصالات لم تعدم حس الفكاهة ولا مهارة اللعب بالبيضة والحجر.
يطالعني مشهد دعائي مؤثر وباعث على نوستالجيا من العيار الثقيل، لشخص يتصل على ذاته من المستقبل، في حقب متعددة، يخبره عن تطورات اتصالات حتى وقتنا الحالي، وعن الهاتف المحمول الذي لا يتجاوز حجم كف اليد، ويحمل في جوفه كل شيء: مكالمات ورسائل ومشاهد وقنوات تواصل وبنوك وأسهم وترفيه… إلخ.
تأملت في مفارقة مدهشة: يبدو أننا انتقلنا من هاتف واحد مصمت، مقيد بسلك وحائط، تتزاحم الأسرة حوله بود دافئ، إلى هاتف حر، خفيف، لاسلكي، بات كل فرد مقيداً به من حيث لا يشعر، غارقاً في وحدة من نمط فريد، يتوهم أن العالم بأسره صار ملك يمينه، وهو لم يعد يملك الوقت الكافي ليصغي باهتمام لمن يعنيه حقاً.
ستبقى صلتنا باتصالات ملتبسة ومرتبكة، ولا غنى عنها.. ربما لهذا يصعب علينا اختزال علاقتنا بها في فاتورة أو باقة أو خدمة، فقد كانت شاهدة على العصر، حاضرة في تفاصيل كثيرة من أعمارنا، في أرقام حفظناها عن ظهر قلب، وفي مكالمات لم نعد نذكر أصحابها، وأصوات غابت ونفتقدها بشدة، وأخبار انتظرناها طويلاً، وأخرى تمنينا لو أنها لم تصل.
لا بأس أن نوجّه لها بعض الشكر والتقدير المستحق، وأمنيات بمستقبل أجمل بحجم المسؤولية الكبيرة والتطلعات، واحتياجات متجددة لأجيال قادمة لم تولد بعد.
