خاص لـ هات بوست:
يمكننا القول إن مجموعة من العوامل ساهمت في تشكّل هذه الظاهرة المحيّرة، التي من الجائز أن نسميها، مع بعض التحفّظ: متلازمة الهوية المزيفة.
ويأتي على رأس تلك العوامل: الخواء النفسي والفكري المدعوم بذوات هشة متضخمة، الوفرة المالية، وهم الإنجاز، غياب الرقابة والمحاسبة، التربة المتعطشة لكل جديد، ومواقع السوشال ميديا وما تعرضه وتلفّقه وتزيّنه.
يقرر أحدهم بين ليلة وضحاها أن يحترف التصوير، فيجلب له كل أدواته، من كاميرات احترافية وعدسات ومكبّرات وإضاءة وحوامل وحقائب… ثم يزهد في هذا كله خلال أيام، ويحتفظ لنفسه بلقب مصوّر محترف.
والآخر يشتري سيارة دفع رباعي مقاومة للمنزلقات والمنحدرات، وأدوات تخييم كاملة على أعلى مستوى، وتلسكوبات لمراقبة النجوم، ولا يذهب في رحلة صحراوية واحدة.
نجد من يصف نفسه بأنه رسام وفنان تشكيلي، وهو لم ينجز أعماله الفنية إلا في ورش ودورات للرسم، حاكى فيها ونسخ بلا أدنى حس فني ولا إبداع ذاتي، لوحة قائمة، وطلب من المدرب أن يتم له الأجزاء التي استعصت عليه في العمل، ثم لا يتوانى عن المشاركة بها في معارض فنية محلية ودولية، ونجده واقفاً عند الأعمال يشرحها، ويلتقط الصور بجوارها، ويعقد لقاءات صحفية وتلفزيونية!
كيف ملك الجرأة والصفاقة والشعور بالاستحقاق؟ وغيره قد يخبئ في محترفه الشخصي قطعاً فنية نادرة وأصيلة لا يجرؤ حتى على عرضها في غرفة معيشته.
ثم، وبفضل دور النشر التي رفعت شعار «ادفع واطبع»، دون أدنى معايير أو قيم أدبية وفنية أو حتى تدقيق، صار عندنا جيش ممن يصفون أنفسهم بالكتّاب المبدعين، حتى لو لم يكن ما يرصونه بين دفتي كتاب سوى صفحات فارغة حرفياً، أو نسخ ولصق من مجالات بعيدة عن اختصاصاتهم، أو نتاج ذكاء اصطناعي بحت، تكاد عباراته وإشاراته المنسية تطفو على السطح.
قد يأتي من يقول: ما المانع أن يجرّب هؤلاء مهاراتهم وقدراتهم ويطوّروها؟
يأتي الجواب على لسان ابنتي الصغرى، التي قلّبت واحداً من هذه الكتب، وهزّت رأسها بحزن:
هذا كلام لا يستحق حتى أن يُرسل بالبريد الإلكتروني، فهل حقاً أُتلفت لأجله غابة صغيرة من الأشجار؟
لم أعرف بماذا أجيبها، وما يشغلني أكثر؛ الاستخفاف بالعقليات، وضياع الثمين في خضم كل هذا الغث، وتصعيب مهمة القارئ والمتلقي، والسرقات الأدبية السافرة، وإفساد ذائقة أجيال قادمة، والأبعد من ذلك أن ثمة كاتباً حقيقياً سيزهد في الكتابة، ويشكك في قدراته، وتعاف نفسه العملية الإبداعية ذاتها وسط كل هذا الزيف والتهافت.
أتجوّل في معارض الكتب، وتطالعني من كل صوب وحدب حفلات توقيع فاقعة ألوانها، وما أظنها تسر كل الناظرين.
أتصفّح الكتاب الذي وصفته دار النشر تلك بأنه الأكثر مبيعاً، ونفدت النسخ، وغيرها من عبارات التسويق المبتذلة والمستهلكة.. أحاول أن أتمالك نفسي من هول ما أقرأ من إسفاف وادّعاء، وفي تلافيف دماغي تصدح عبارة: «كبّري عقلك.. كبّري عقلك»، بصوت كاظم الساهر.
