الأوديسة: بين عتمة هوميروس وشاشات الـ IMAX

آراء

    أحد المفارقات التي لا أكف عن التأمل فيها هي أن هوميروس، صاحب الأوديسة، يُقال إنه كان أعمى! يصعب استيعاب أن عملاً امتلأ بكل هذا الاتساع البصري؛ بالبحار والجزر والوحوش والعواصف والآلهة، خرج من مخيلة رجل لا يرى! لعلها تذكير بأن الخيال لا يحتاج إلى بصر بقدر حاجته إلى بصيرة، وأن أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة قد تولد في العتمة.

بالرغم من أن مصادر تاريخية عديدة تشكك في أن يكون هوميروس ذاته شخصية حقيقية فستبقى الإلياذة والأوديسة أهم ملحمة شعرية في تاريخ الأدب الإغريقي.

     ورغم الفارق الزمني والجغرافي الشاسع، كثيراً ما تُقارن الأوديسة بـألف ليلة وليلة، لما يجمعهما من الرحلات والعجائب والبحار وتداخل الواقع بالأسطورة. لكنني لا أميل إلى فكرة أن الأخيرة استُلهمت من الأولى، لكل منهما تربتها الثقافية، ومنطقها السردي، وعوالمها الغرائبية الخاصة.. وإذا تشابهت الأعمال الكبرى، فربما لأن الإنسان، باختلاف الأزمنة والحضارات، ظل مفتوناً بالسردية ذاتها: الرحلة، والغيبيات، والخوف، والنجاة، والحنين والعودة إلى الديار.

     وها هي الأوديسة، بعد آلاف السنين، تعود إلى الواجهة، لا عبر طبعة جديدة منقحة من الكتاب، بل عبر فيلم يصنع حوله كريستوفر نولان ضجيجاً عالمياً هائلاً حتى قبل عرضه، وهذه في حد ذاتها ظاهرة تستحق التأمل. كيف استطاع مخرج أن يجعل ملحمة شعرية عمرها قرون طويلة، حديث الناس، وأن يحولها إلى حدث ينتظره جمهور لا يجتمع عادةً على كتاب كلاسيكي؟

     ربما يكمن السر في أن كل منا يعيش أوديسته الخاصة.. لا نحارب طروادة، ولا نعبر بحاراً تعج بالأساطير، لكننا نمضي سنوات من أعمارنا نحاول العودة إلى شيء فقدناه: بيت، أو أم، أو وطن، أو يقين، أو حب… أو حتى نسخة أقدم وأكثر نقاءً من أنفسنا.

     أو ربما لأن السينما حالة مستقلة، تعمل بأدوات مختلفة تماماً.. فإذا كانت القراءة فعل فردي؛ يبني فيه القارئ مشاهده الخاصة، ويختار ملامح أبطاله وخلفية مشاهده وألوان بحاره وإيقاع أحداثه. فإن الفيلم حصيلة عشرات الفنون مجتمعة: رؤية المخرج، والسيناريو والحوار، و ضخامة الإنتاج، والاستديوهات، والممثلون، والموسيقى، والمؤثرات الصوتية، والتقنيات، والكاميرا، والإضاءة، وحتى زاوية التصوير.. كل عنصر منها يضيف طبقة جديدة إلى الحكاية، حتى تصبح تجربة مختلفة، وإن كنت شخصياً أشكك في قدرة الأفلام المقتبسة عن أعمال أدبية بعظمة الأوديسة عن أن تنقل قوة وخصوبة مخيلة النص الأصلي.

     وما يثير فضولي أكثر من الفيلم نفسه هو تلك الجماهيرية المدهشة التي سبقته، ما حدث أن وجدت نفسي أؤجل مشاهدة فيلم لأنني لم أنجح بعد في حجز مقعداً مناسباً على شاشة IMAX، حتى لو تنازلت وبحثت عن عرض بعد منتصف الليل. هذا الإقبال الكاسح يدفعني إلى سؤال لا أملك إجابته بعد: هل تحسنت ذائقة المشاهد فجأة؟ أم أن الاسم وحده، اسم نولان، صار كافياً ليحول أي مشروع إلى موعد عالمي، حتى لو لم يأت بجديد؟

     ربما سأعرف الإجابة بعد المشاهدة، أما الآن، فسأكتفي بالدهشة، وبسؤال عالق: هل خطر في ذهن شاعر لم يبصر هذا العالم بعينيه، وهو عاكف على كتابة الملحمة قبل ألاف السنين وتحت طيات طبقات وطبقات من ظلام كثيف، مشهد كاميرات صُنعت خصيصاً، وديكورات وتقنيات، وطواقم عمل، وميزانية هائلة، وشاشات ضخمة تجسد ملحمته في عتمة مبهرة، وطوابير جماهير محتشدة حول العالم لمشاهدتها في العام 2026 بعد ميلاد مسيح ما درى بمولده؟