خاص لـ هات بوست:
ما لهذا العنوان من صلة مباشرة بالفيلسوف الأندلسي، وقاضي قرطبة الألمع، ابن رشد، وكتابه الرائع “تهافت التهافت”، إلا في حدود ولعي بابن رشد وزمانه، والبيئة التي كتب فيها، وانتصاره للفلسفة وروحها السامية.
جاء كتابه ردّاً تفكيكيّاً بالغ الذكاء على الآليات الجدلية التي اعتمدها الغزالي في “تهافت الفلاسفة”، حيث برهن على خلو كثير منها من الصرامة العلمية اللازمة، واعتمادها على المغالطات السفسطائية لتحقيق انتصارات خطابية، وتلبيس الخصم وإلزامه ما لا يلزم، مؤكداً أن الفيلسوف الحقيقي يطلب الحق، ولا يسعى إلى إسقاط خصومه بالمصادرات اللفظية.. ومن خلال هذا التفكيك، شيد ما يمكن أن نسميه “أخلاقيات الحوار”، القائمة على الأمانة في النقل، ومقارعة الحجة بالحجة وفق شروط القياس البرهاني، رافضاً الخلط بين المنهج الخطابي الإقناعي الموجَّه للجمهور، والمنهج البرهاني الخاص بالراسخين في العلم، ليختتم بحثه الأنيق بالانتصار لقانون السببية وضرورة العقل، وعدم تعارض الفلسفة مع الدين.
ظل عنوان كتابه يطرق ذهني، وأنا ما زلت أدور في رحى سؤال الكتابة الذي سبق أن طرحته.. ولم أتوقع حجم ردود الأفعال التي وصلتني من كُتّاب بدا وكأنني نكأت جراحهم، أو نثرت عليها الملح من حيث لا أدري.. حكايات عن تجارب وخيبات مريرة مع النشر، وصلت بعضها إلى أروقة المحاكم بخصومات، واتهامات بسرقات أدبية ومالية.. بدا المشهد، في بعض جوانبه، أشبه بما وصفه ابن رشد من غلبة الرغبة في الانتصار على الرغبة في الوصول إلى الحقيقة.
تزامن ذلك مع قراءتنا، في مؤسسة بحر الثقافة، ويا للمصادفة! لرواية “الوجه الأصفر” للكاتبة الأمريكية من أصل صيني: ريبيكا إف. كوانغ، وهي رواية تدور، بلغة ساخرة وحادة، في أروقة عالم النشر المعتمة، وتطرح أسئلة شائكة حول الغيرة بين أصحاب المهنة الواحدة، والسرقة الأدبية، والهوية الثقافية، ومن يملك الحق في رواية قصص الآخرين؟ كل هذا ضمن حبكة سردية غير تقليدية تبدأ بوفاة أثينا الكاتبة ذات الأصول الآسيوية، والأوفى حظاً في الكتابة والنشر وتحقيق الثراء، في حضور زميلتها جون الكاتبة البيضاء الفاشلة التي لطالما أكلتها الغيرة، فتقرر هذه الأخيرة سرقة مخطوطة زميلتها ونسبتها لنفسها، ولتبدأ فصول أقرب لكوميديا سوداء لا حدود لقتامتها.
نجحت الكاتبة، عبر راوٍ غير عليم وغير موثوق، هو جون هايوارد، بطلة الرواية وقلبها الحقيقي، وهي بالمناسبة ليست شريرة بالمعنى التقليدي، بل شخصية مأزومة تبرر لنفسها كل انحدار أخلاقي، حتى يجد القارئ نفسه داخل منطقها، رغم رفضه له. أما الشخصيات الأخرى، وعلى رأسها أثينا ليو، فتبدو أحياناً أقرب إلى أدوات تخدم الفكرة الأساسية منها إلى شخصيات مكتملة، ولذلك يظل الثقل النفسي للرواية محصوراً في جون.
وبرأيي أن اعتماد السرد بضمير المتكلم من أنجح خيارات الرواية؛ إذ يرى القارئ العالم من منظور مشبع بالإنكار والتبرير والغيرة، ويشارك تدريجياً في اكتشاف الأكاذيب التي ترويها البطلة لنفسها قبل أن ترويها للآخرين. وهو سرد نابض، ساخر، ذو طابع نفسي فلسفي عميق.
لا تقدم الرواية العنصرية بوصفها مواجهة بسيطة بين ظالم ومظلوم، بل تكشف تعقيداتها داخل الوسط الأدبي، فتناقش الاستيلاء الثقافي، وتمثيل الأقليات، وكيف يمكن للهوية أن تتحول إلى رأس مال رمزي في سوق الأدب، بل تذهب أبعد من ذلك إلى ما يمكن أن نسميه العنصرية المضادة، وهي هنا عنصرية ذوي الأصول الصفراء، بحسب وصف الرواية، ضد البطلة البيضاء وصورتها النمطية عندهم.
أما أكثر جوانب الرواية إثارة، في رأيي، فهو كشفها لدهاليز صناعة النشر. فهي تقول بكل وضوح، إن النجاح لا يقوم على جودة النص وحدها، بل على شبكة معقدة من التسويق، وبناء الصورة العامة للكاتب، والوكيل الأدبي، والمحرر، وحسابات الأرباح، وحقوق الترجمة، وإمكانية التحول إلى السينما والدراما، وإدارة التواجد في وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى إدارة الفضائح أحياناً، حتى يغدو الكتاب ذاته، في بعض الحالات، أقل أهمية من قصة مؤلفه، وكأن النجاح الأدبي يُصنع ويُبهرج بقدر ما يُكتب.
وجدت نفسي، وأنا أقرأ، أقارن بين عالمهم وعالمنا؛ بين صناعة نشر ضخمة، راسخة ومتكاملة، مهما شابها من عيوب، وصناعة ما زالت تبحث عن كثير من أدواتها، وتتعثر في خطوها بحياء، وقارنت أيضاً بين جون، التي تطارد الشهرة والجوائز والظهور بكل شراسة وبكل وسيلة متاحة، وبيني ككاتبة أميل إلى العزلة، وأفضل الاختباء خلف الكلمات، مؤمنة بأن النص ينبغي أن يسبق صاحبه، وينسلخ عنه، لا أن يعيش في ظله.
ربما لهذا عدت إلى ابن رشد لأسترشد به.. فما أحوجنا إلى أخلاقيات الحوار التي دعا إليها، وإلى صناعة نشر تُبنى على النزاهة، واحترام الحقوق، وتقدير النصوص، وتوزيع الأدوار والتخصصات، واستحداثها إن لزم الأمر.. وتنافس شريف، يقوم على الجودة لا الإقصاء، وعلى الحقيقة لا الضجيج.
على مثل هذا، فليتهافت المتهافتون.
