السعد المنهالي
السعد المنهالي
كاتبة إماراتية

سيرة الأشياء!

آراء

لطالما نظرت بفضول يشوبه حزن إلى المقتنيات التي يتخلى عنها أصحابها ويلقون بها خارجاً وكأنها قمامة. وباستمرار تنتابني رغبة في التقاط تلك الأشياء.. والاعتذار منها!

كنتُ أُحْرَجُ من ميلي الغريب هذا، ولكن مع الوقت أدركت معنى لمشاعري وفهمت دوافعها، وتوقفت عن الشعور بالخجل الذي يجب أن يكون شعور أولئك الذين يتخلصون من أشيائهم بهذه السهولة!

نتعامل مع أشيائنا وكأننا يجب أن نكون أقوى وأكثر أهمية وأطول عمراً منها، بينما الواقع يؤكد باستمرار أن الأشياء تمتلك سيرة أطول من سيرة أصحابها، وهي ميزة تجعلها أبقى! وما نراه في المتاحف ما هو إلا تأكيدٌ لذلك. لقد بدأت سيرتها منذ زمن طويل قبل لحظة امتلاكنا لها، ولا تنتهي بمجرد انقضاء أهميتها بالنسبة لنا. قد تكون وظيفتها انتهت لدينا -كما نعتقد- لكن قيمتها ستبقى للأبد، تلك القيمة التي تجعل لها وظيفة أخرى لنا أو لغيرنا.. وهكذا للأبد!

ألا تستحق هذه الأشياء أن نتأملها بعين مختلفة! فلنحاول الإنصات إلى ما تقوله عن ماضيها، وعن الحياة التي عاشتها، وعن الحياة التي مازالت تتمنى أن تعيشها. وربما أيضاً لو تأملنا بامتنان وحب، ستخبرنا عن الشخص الذي ينتظرها دون أن يدري، لتكون نافعة له، فنقدمها له باعتناء لتضيف إلى يومه شيئاً من الفائدة والجمال.

تلك الأشياء كائنات صغيرة تستغيث بمن يمنحها فرصة أخرى للاستمرار في الحياة. هناك صوت لكل قطعة أسمعه يخبرني: «قصتي لم تنتهِ بعد، ما زال في داخلي ما يمكن أن أقدمه». قطعة قماش في ثوب قديم تغريني بنعومة ملمسها، ودفء لونها، وجمال نسيجها بأنها ستكون غطاءً لوسادة لطيفة. صندوق من الورق المقوى يؤكد لي بإصرار أنه سيكون أميناً على أشيائي.. إطار خشبي مقشر، همس لي بأنه سيحتوي صور أحبتي بحنان حقيقي.

سيرة الأشياء تستمر لأن أهميتها تنبع من قيمتها القادمة من ذلك الخام الذي خلقه الله على الأرض ليبقى، فجاء الإنسان وأعاد تشكيله لما يريده. ولذا يجب أن تبقى، وما إعادة تدويرها إلا احتراماً للخالق والمخلوق.

تعلمت في حياتي كيف أقرأ ما تخبئه هذه الأشياء من احتمالات للبقاء، لأنها أمانات استودعها الله بين أيدينا، ليراقبنا هل سنضيف إلى حياتها فصلاً جديداً، أم سنكون نحن من يكتب نهايتها؟!

يا ترى متى سندرك أننا مجرد مرحلة في رحلة هذه الأشياء! فالحقيقة الثابتة أننا فقط نرافقها لبعض الوقت، ثم علينا أن نسلمها إلى غيرنا كما سلمها غيرنا إلينا.

المصدر: الاتحاد