أثر كثافة المنهج في التركيز والبناء المعرفي للطالب الجامعي

آراء

خاص لـ  هات بوست: 

قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال عاهدت نفسي أن أكون محايداً (بين الجامعة والطالب والمعلّم) قدر جهدي، وأن أجعل الفكرة محكومةً بميزان النظر، لا بميول الموقف، غير أنني بعد أن أنهيت كتابته، ورفعت قلمي، ولمـَّا يجف مداده بدا لي أني ملت (ميلاً حميداً) إلى كفة الطالب، لا أدري.. ربما لأنني كنت يوماً طالباً، ولم يزل في ذاكرتي بقية ولاء لذلك المقعد، فحملت شيئاً من قلقه وهمّه، وشعرت بما به يشعرون.. يردد الطلاب أمامي عبارة: (دكتور..أرهقنا ازدحام المحاضرات، وتضخّم المقررات، وكثرة المتطلبات)، هذه العبارة المختزلة (المُحبِطة) تحكي مفارقة تربوية عميقة الأثر والتأثير، فالمنطق يوحي بأنه كلما ازدحم التعليم بالمحتوى والمقررات، ضاقت مساحة التعلم، ولست -هنا- لأضع حلولاً ناجعة لتلك المشكلة، إذ هي قديمة قدم التعليم نفسه، لكن هذه الفكرة -على بساطتها- تضعنا أمام واحدة من أكثر المفارقات خفاءً في التعليم الجامعي المعاصر، فربما تسعى الجامعات إلى إثراء تجربة الطالب بزيادة ما يتعلمه، لكن هذا (الأمل) يتحطم على أروقة اتساع المنهج، وضيق المساحة الذهنية المتاحة لفهمه، وحينها تكثر الموضوعات بينما تقل قدرة الطالب على (التركيز الفكري) داخل أيٍّ منها.

لا شك أن ثمة فارق جوهري بين طالب يلامس عشرات الموضوعات، وآخر تتاح له فرصة أن يدخل إلى بنية الموضوع، ويفهم منطقه الداخلي، ويختبر مفاهيمه، ويربط أجزاءه، ويعيد التفكير فيه حتى يتحول من (مقرر دراسي) إلى معرفة مستقرة في تكوينه العلمي.

لست معنياً بالتركيز على قضية زيادة الجهد وحدها، وإنما في نشوء نمط من التعلم الموزع على مساحات واسعة من الانتباه، دون أن يكون هناك عمق معرفي، أو تفكير نقدي، هذه المساحات الواسعة من التفكير في محتوى المنهج أوقعتنا في معضلة يمكن أن أسميها (قلق تغطية الموضوعات)، أو الخوف المستمر من أن يتخرج الطالب وهناك موضوع لم يُدرَّس له، أو مهارة لم تُدرج في خطته، أو مجال لم يمر عليه، وحينئذ تبدأ الجامعة أو البرنامج بإضافة مقرر هنا، ووحدة هناك، ومتطلب جديد في موضع ثالث، وأجزم بأن كل إضافة تبدو في ذاتها منطقية، لأن لكل مقرر مبرراته، ولكل موضوع قيمته، ولكل مهارة أهميتها، لكن المشكلة لا تظهر عند النظر إلى كل مقرر منفرداً، وإنما عندما ننظر في التجربة الكلية للطالب، نعم الإضافة ربما تكون معقولة على مستوى المقرر ، لكن العبء كبير على مستوى البرنامج.

عادةً ما نتحدث كثيراً عن الموارد الجامعية: أعضاء هيئة التدريس، والقاعات، والمختبرات، والميزانيات، والمنصات، لكننا نغفل دراسة واقعٍ أكثر أهمية مما سلف تعتمد عليه كل الموارد الجامعية ألا وهو(انتباه الطالب)، فالطالب لا يدخل الفصل الدراسي حاملاً مخزوناً غير عادي من التركيز، لا سيما حين نضع في (الحسبان) أن كل مقرر ينافس بدرجات متفاوتة على وقت الطالب، وتركيزه، وذاكرته، واستعداده النفسي، وقدرته على القراءة والكتابة والتفكير، وعندما تتزامن مقررات كثيرة، تتضاعف المطالب بوجوب انتباه الطالب، وصقل تركيزه ليستوعب (كل شيء)، والوفاء بكل متطلبات المقرر، خذ مثالاً على ذلك: قد يكون لدى الطالب خمس ساعات للدراسة، لكنها موزعة بين اختبار قريب، وتقرير ينبغي تسليمه، وعرض تقديمي، وقراءة لمقرر رابع، ومهمة جماعية في مقرر خامس، وزيارة ميدانية أو مكتبية، زمنياً -كما ترى- لديه خمس ساعات، أما معرفياً فربما لا يمتلك ساعة واحدة من التفكير المتصل، والنقد الهادف، والبناء النافع، ولهذا فإن جانباً مهماً من إرهاق الطالب يكون مصدره الفعلي من تعدد السياقات الذهنية التي يضطر إلى الانتقال بينها، باختلاف المقررات التي يدرسها، فهو قد يقرأ نصاً نظرياً، ثم يتركه ليحل تدريباً كمياً، ثم ينتقل إلى كتابة تقرير، ثم يعود إلى حفظ مصطلحات، ثم يحضر اجتماعاً لمشروع جماعي، وكل انتقال من هذه الانتقالات ليس (مجانياً) أو غير مرهق ذهنياً، فالعقل يحتاج في كل مرة إلى استحضار سياق جديد: يتضمن مشكلات بحثية، ومفاهيم علمية، ومصطلحات منطقية، المشكلة إذن ليست في كثرة المهام، وإنما في (التنقل) بينها، في يوم دراسي واحد، لاحظ -مثلاً- أن الطالب يبدأ في إنجاز مهمةٍ ما، ثم يقطعها موعد، ويعود إليها بعد مقرر آخر، ثم يتركها بسبب اختبار، ثم يستأنفها وهو يحتاج إلى استعادة السياق الذي فقده، والمحصلة بعد هذا سطحية الفهم، وضعف الأداء، لأن الطالب أمام هذه المهام الجسام يحاول أن يصنع لنفسه عقلية النجاة (بهدف النجاح) فيفكر في: أي اختبار أقرب؟ أو أي واجب يحمل درجات أكثر؟ أو أي أستاذ متعاون يمكن أن يقبل الإرجاء والتأجيل؟ أو أي مقرر يمكن أن يكتفي بملخصه؟، وبهذا التفكير لا يكون الطالب قد رفض التعلم العميق، وإنما قد يكون النظام نفسه قد جعل التعلم العميق مرتفع التكلفة زمنياً بالنسبة إليه، إذ فرض على الطالب أن يكون مجرد مستهلك للمحتوى، يستقبل موضوعاً قبل أن يفهم سابقه، ثم موضوعاً ثالثاً قبل أن يستقر الثاني، أو تكليفاً جديداً قبل أن يُنجز السابق ويفهم نظامه، قد يرى كل أستاذ أن تكليفاً واحداً أسبوعياً يُعد أمراً معقولاً، أو أن قراءة فصل ليست كثيرة، أو أن اختباراً قصيراً ربما يكون ضرورياً، لكن الواقع يقول لنا بأن الطالب لا يدرس مقرراً واحداً فحسب، بل يعايش جملة من المقررات المستقلة التي يُدرّسها عدد من الأساتذة.

وأنا -هنا- لا أدعو إلى حذف المقررات، أو اقتضابها، لكني أرى بأن تحسين تعلم الطالب لا يحتاج دائماً إلى تطوير كل مقرر على حدة، بل ربما يحتاج إلى مجرد تنسيق بين المقررات: مواعيد التقويم، وتسليم التكليفات، وأنواع المهمات، وأزمنة القراءة، ومواسم المشروعات، وأوقات الامتحانات الفصلية وغيرها.

أيها الأساتذة الكرام ثقوا بأن التعليم الحقيقي يحتاج إلى مساحات ليس فيها تدريس جديد، مساحات للقراءة، وللكتابة، ولحل المشكلات، وللنقاش الذي لا يرتبط باختبار، وهذا الأمر لا يُعد فراغاً تعليمياً، وإنما هو بناء فكري ونقدي ومعرفي للطالب، فالتجريب عادةً خير من التنظير.

المشكلة الحقيقية إذن ليست في عدد المقررات وكثافتها بقدر ما هي في العلاقة بين حجم المطالب، والزمن، والانتباه، والتكامل، ونوعية العمليات العقلية المطلوبة من الطالب، وإذا استطعنا التوفيق بينها نجح التعليم، وأدت الجامعات دورها على أكمل وجه، وأبهى صورة، والنظر لأهل النظر..!