فاتن يعقوب
فاتن يعقوب
كاتبة وشاعرة لبنانية

بين المحاكاة والإرث: قراءة ما بعد كولونيالية للالتباس الثقافي

الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      في الفكر ما بعد الكولونيالي، غالبًا ما تم تأطير العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر من خلال توترات متداخلة: الهيمنة والتفاوض، المحاكاة والرفض، القطيعة والاستمرارية. وقليل من المفكرين صاغوا هذه التوترات بوضوح مثل ألبرت مِمّي وبارثا تشاترجي. وعلى الرغم من اختلاف مقارباتهما في التركيز، فإن كليهما يقدّم أدوات مفاهيمية لفهم حالة تستمر إلى ما بعد زوال الاستعمار رسميًا: حالة الالتباس الثقافي.      يطرح مِمّي تصورًا يرسم خطًا حادًا بين المستعمِر والمستعمَر، مؤسسًا لانقسام أخلاقي ونفسي تُستبطن فيه علاقات الهيمنة وتُعاد إنتاجها. في هذا الإطار، تُنتج العلاقة الاستعمارية تبعية بنيوية تستمر حتى بعد الاستقلال، وتؤثر في المؤسسات والهويات والتصورات الذاتية. فالموضوع المستعمَر، وفقًا لمِمّي، يظل محاصرًا داخل نظام يحدّد قيمته من الخارج، غالبًا بالرجوع إلى معايير المستعمِر.      أما تشاترجي، فيُعقّد هذا الثنائي. ففي سياق المجتمعات ما بعد الاستعمارية، يقترح نموذجًا أكثر تركيبًا، يميّز فيه بين ما يسميه المجال “الخارجي” والمجال “الداخلي” للحياة الوطنية. المجال الخارجي—الذي يشمل الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا—يظل مفتوحًا للاقتباس والتكيّف، بل وحتى لمحاكاة النماذج العالمية المهيمنة. أما المجال الداخلي—الثقافة والتقاليد والمعايير الاجتماعية—فيبقى موقع السيادة، حيث يؤكد المجتمع استقلاله ويحافظ على خصوصيته.      يقدّم هذا البناء المزدوج عدسة تحليلية ثرية لقراءة حالة معاصرة أوسع: حالة من “البرزخ الثقافي” لا هي محاكاة خالصة…

أعداء النّجاح

الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      يتّفق علماء النّفس على أنّ الرّكيزة الأساسية لثقة الفرد بنفسه تبدأ أوّلاً مع الأسرة الداعمة لتتوسّع إلى المحيط الإجتماعي، المدرسة، الجامعة، وثمّ الإختلاط مع الآخر في العلاقات الشخصية وفي العمل.      إذاً، فالبذرة الرّئيسة للثّقة بالنّفس هي البيئة الحاضنة التي تصبر طويلاً وتحبّ كثيراً حتى تستطيع أن تروي تلك التربة وتطوّرها. والثّقة بالنّفس هي العامل الأوّل الذي يؤهّل الفرد للاندماج بمحيطه، التعرّف عليه، والنجاح فيه.      ومعنى الدّعم النفسي هو أن يحسّ الفرد ويقتنع كليّاً أنّه مكوّن أساسي لعائلته: يتأثّر ويؤثّر بهم، يفرحون لفرحه ويحزنون لحزنه، يهتمّون برغباته وأحلامه ويساعدونه على تحقيقها وتنفيذها. وكلّما اكتملت هذه المعادلة، استوى مفهوم التربية وتركّز سبب أساسي من أسباب النجاح.      لا أعني هنا بالنجاح الشهرة والمال. صحيح أنّ هذه العبارات أصبحت ملتبسة في وقتنا الحالي وذلك يرجع لبعض تأثيرات السوشيال ميديا السلبيّة: فعدد المتابعين يعني النجاح، وفيديو شراء سيارة فخمة يعني النجاح، وصورة في مكان مميّز تعني النجاح.      لا شكّ أنّ الشهرة والمال هما نتيجتان واقعيتان للنجاح ولكن ذلك لا يعني أنّ الشخصية الناجحة هي فقط التي نعرفها أو نتابعها أو نقلّدها. والمفهوم بعينه لا يستطيع تقييمه فعلياً إلا الشخص نفسه مجيباً عن الأسئلة التالية: هل أنا سعيد بما أعمل؟ هل أنا…