الإثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هناك جدال أخسره أكثر مما أحب أن أعترف. وغالبًا ما يكون مع ابنتي ذات السنوات السبع. يبدأ عادة بطلب شراء لعبة جديدة على جهاز الـiPad، أو بقراري أن وقت الشاشة قد انتهى. أقدّم حججي بصفتي الأم، فتردّ هي وكأنها أعدّت مرافعة قانونية كاملة. قالت لي ذات يوم، بثقة مطلقة: "ماما، أنتِ من الزمن القديم." ضحكت. وكانت محقّة. وُلدت في الثمانينيات، وعشت طفولة كانت فيها الكتب تجيب عن فضولنا، لا الخوارزميات. كان علينا أن نبحث عن المعلومة بدل أن نستدعيها في لحظة، وكان الانضباط نادرًا ما يخضع للتفاوض، وغالبًا ما كانت عبارة "لأنني قلت ذلك" كافية لإنهاء النقاش. أما هي، فتنتمي إلى عالم مختلف تمامًا؛ عالم الشاشات التي تعمل باللمس، والذكاء الاصطناعي، والإجابات الفورية، والتحفيز الرقمي الذي لا ينتهي. لكن ما يثير اهتمامي ليس التكنولوجيا في حد ذاتها، بل ما يحدث حولها. فنادرًا ما تنتهي حواراتنا بـ"نعم" أو "لا". تتحول إلى نقاشات. تجادلني. تسألني. تفاوضني. وأحيانًا تنجح بالفعل في تغيير رأيي. وفي أحيان أخرى، أضع افتراضاتها موضع تساؤل، حتى تعود هي نفسها إلى التفكير فيها من جديد. هذه الحوارات مرهقة أحيانًا، وتتطلب بالتأكيد قدرًا من الصبر يفوق ما كانت تتطلبه نماذج التربية التي ورثها كثير منا. لكنها علمتني أيضًا شيئًا أعمق.…
الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليست هذه قراءة نقدية لفيلم الأوديسة للمخرج كريستوفر نولان، بقدر ما هي تأمل في الكيفية التي لا تزال بها ملحمة كُتبت قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام قادرة على مخاطبة جمهور اليوم، ولماذا استطاعت، رغم امتدادها إلى نحو مئة وستين دقيقة، أن تستحوذ على انتباه جمهور شاب حتى اللحظة الأخيرة. ففي زمن أصبحت فيه القدرة على التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة، لا سيما لدى الأجيال التي نشأت في ظل منصات البث، ومقاطع الفيديو القصيرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، يحقق الفيلم إنجازاً نادراً؛ إذ يعيد هوميروس إلى الحاضر، ويمنحه لغةً يفهمها الجيل الجديد دون أن ينتقص من جلال النص الأصلي. ويكمن جانب مهم من هذا النجاح في السيناريو نفسه. فعلى خلاف كثير من الاقتباسات السينمائية للأعمال التاريخية والكلاسيكية التي تلجأ إلى لغة إنجليزية بريطانية قديمة، فتخلق مسافة غير ضرورية بين النص والمتلقي الشاب، يختار الأوديسة لغة معاصرة وسلسة، تحافظ في الوقت نفسه على العمق الفلسفي والهيبة الأدبية للملحمة. وهكذا ينجح الفيلم في إعادة تقديم الأسئلة الإنسانية والأخلاقية التي تحملها الأوديسة بلغة أقرب إلى أذن الجيل الجديد. وبالنسبة إليّ، وقد درست الأوديسة بوصفها نصاً أدبياً، لم تكن مشاهدة الفيلم مجرد متابعة لعمل سينمائي، بل كانت فرصة للعودة إلى واحدة من النصوص المؤسسة للحضارة…
الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست لم يكن المقعد الفارغ مجرد مقعد. كان الشاغر الوحيد في قاعة امتلأت عن آخرها احتفاءً بعيد ميلاد صاحب السّمو الشّيخ محمّد بن راشد آل مكتوم في مكتبة محمّد بن راشد، حيث تزيّنت الأمسية بلوحات فنية لفنانين من أنحاء مختلفة استلهموا دبي وملامح قائدها، قبل أن تتوالى القصائد بصوت كريم معتوق، ونجاة الظاهري، وحمدة المر، لتختتم الليلة بالموسيقى والغناء. لكن حكايتي لم تبدأ على المسرح. بدأت بالمقعد المجاور. كانت تجلس إلى يساري سيدة إماراتية لم أكن أعرفها، بينما كان المقعد الفاصل بيننا قد تركته إحدى الفنانات المشاركات بعدما نهضت لتقف بجوار لوحتها مع وصول كبار الضيوف والمسؤولين. نظرت إلى السيدة وقلت مبتسمة: «ربما علينا أن نحتفظ بالمقعد للفنانة حتى لا تعود فلا تجده.» وضعت نسختي من كتابي "أربعون" على المقعد، وكأنها بطاقة حجز مؤقتة لصاحبته. كان تصرفًا عفويًا. لكنه كان بداية حديث لم أكن أتوقعه. التفتت السيدة إلى الكتاب، وسألتني عنه، ثم عرفتني بنفسها. كانت عبير اللوز، الشيف الإماراتية ورائدة الأعمال، وأخبرتني أنها حضرت خصيصًا لدعم صديقتها الشاعرة الإماراتية نجاة الظاهري، التي كانت تستعد لإلقاء قصائدها في تلك الأمسية. لفتني المشهد أكثر من أي شيء آخر. في زمن تتسابق فيه الأضواء نحو الفرد، كانت عبير هناك لتصفّق لصديقتها. لم…
الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في الفكر ما بعد الكولونيالي، غالبًا ما تم تأطير العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر من خلال توترات متداخلة: الهيمنة والتفاوض، المحاكاة والرفض، القطيعة والاستمرارية. وقليل من المفكرين صاغوا هذه التوترات بوضوح مثل ألبرت مِمّي وبارثا تشاترجي. وعلى الرغم من اختلاف مقارباتهما في التركيز، فإن كليهما يقدّم أدوات مفاهيمية لفهم حالة تستمر إلى ما بعد زوال الاستعمار رسميًا: حالة الالتباس الثقافي. يطرح مِمّي تصورًا يرسم خطًا حادًا بين المستعمِر والمستعمَر، مؤسسًا لانقسام أخلاقي ونفسي تُستبطن فيه علاقات الهيمنة وتُعاد إنتاجها. في هذا الإطار، تُنتج العلاقة الاستعمارية تبعية بنيوية تستمر حتى بعد الاستقلال، وتؤثر في المؤسسات والهويات والتصورات الذاتية. فالموضوع المستعمَر، وفقًا لمِمّي، يظل محاصرًا داخل نظام يحدّد قيمته من الخارج، غالبًا بالرجوع إلى معايير المستعمِر. أما تشاترجي، فيُعقّد هذا الثنائي. ففي سياق المجتمعات ما بعد الاستعمارية، يقترح نموذجًا أكثر تركيبًا، يميّز فيه بين ما يسميه المجال “الخارجي” والمجال “الداخلي” للحياة الوطنية. المجال الخارجي—الذي يشمل الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا—يظل مفتوحًا للاقتباس والتكيّف، بل وحتى لمحاكاة النماذج العالمية المهيمنة. أما المجال الداخلي—الثقافة والتقاليد والمعايير الاجتماعية—فيبقى موقع السيادة، حيث يؤكد المجتمع استقلاله ويحافظ على خصوصيته. يقدّم هذا البناء المزدوج عدسة تحليلية ثرية لقراءة حالة معاصرة أوسع: حالة من “البرزخ الثقافي” لا هي محاكاة خالصة…
الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يتّفق علماء النّفس على أنّ الرّكيزة الأساسية لثقة الفرد بنفسه تبدأ أوّلاً مع الأسرة الداعمة لتتوسّع إلى المحيط الإجتماعي، المدرسة، الجامعة، وثمّ الإختلاط مع الآخر في العلاقات الشخصية وفي العمل. إذاً، فالبذرة الرّئيسة للثّقة بالنّفس هي البيئة الحاضنة التي تصبر طويلاً وتحبّ كثيراً حتى تستطيع أن تروي تلك التربة وتطوّرها. والثّقة بالنّفس هي العامل الأوّل الذي يؤهّل الفرد للاندماج بمحيطه، التعرّف عليه، والنجاح فيه. ومعنى الدّعم النفسي هو أن يحسّ الفرد ويقتنع كليّاً أنّه مكوّن أساسي لعائلته: يتأثّر ويؤثّر بهم، يفرحون لفرحه ويحزنون لحزنه، يهتمّون برغباته وأحلامه ويساعدونه على تحقيقها وتنفيذها. وكلّما اكتملت هذه المعادلة، استوى مفهوم التربية وتركّز سبب أساسي من أسباب النجاح. لا أعني هنا بالنجاح الشهرة والمال. صحيح أنّ هذه العبارات أصبحت ملتبسة في وقتنا الحالي وذلك يرجع لبعض تأثيرات السوشيال ميديا السلبيّة: فعدد المتابعين يعني النجاح، وفيديو شراء سيارة فخمة يعني النجاح، وصورة في مكان مميّز تعني النجاح. لا شكّ أنّ الشهرة والمال هما نتيجتان واقعيتان للنجاح ولكن ذلك لا يعني أنّ الشخصية الناجحة هي فقط التي نعرفها أو نتابعها أو نقلّدها. والمفهوم بعينه لا يستطيع تقييمه فعلياً إلا الشخص نفسه مجيباً عن الأسئلة التالية: هل أنا سعيد بما أعمل؟ هل أنا…