خاص لـ هات بوست:
ليست كل الرسائل تُكتب بالحروف، فبعضها يُبنى بالحجر، ويُصاغ بالضوء، ويُخلّد في الذاكرة الإنسانية. هكذا يقف جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي، ليس مجرد صرح معماري استثنائي، بل رسالة إماراتية مفتوحة إلى العالم، لا تحتاج إلى ترجمة، لأنها تخاطب الإنسان بلغته الأولى، لغة الجمال، والسلام، والتسامح.
منذ أن فتح أبوابه، لم يكن الجامع مكاناً للعبادة فحسب، بل أصبح مساحة يلتقي فيها الشرق والغرب، ويقف فيها الإنسان أمام عظمة الفن الإسلامي وقيمه الروحية بعيداً عن أي حواجز ثقافية أو دينية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتحول إلى محطة رئيسية لرؤساء الدول، والملوك، والدبلوماسيين، والمفكرين، والفنانين، والمشاهير، والمؤثرين من مختلف أنحاء العالم، الذين وجدوا فيه أكثر من معلم سياحي، وجدوا رسالة حضارية متكاملة.
عندما يسير الزائر بين أروقته، أو يتأمل قبابه البيضاء التي تعانق السماء، أو ينظر إلى انعكاس الضوء على الرخام الناصع في ساحاته الواسعة، يدرك أن المكان صُمم ليبعث الطمأنينة قبل أن يلفت الأنظار. فكل لون، وكل زخرفة، وكل آية، وكل تفصيل معماري يحمل معنى يتجاوز الجمال البصري، ليؤكد أن الإسلام الذي أراده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هو دين رحمة وتعايش واحترام للإنسان.
ولعل أعظم ما يميز الجامع أنه لا يفرض على زائره تفسيراً واحداً، بل يمنحه مساحة للتأمل. فهناك من يقرأ فيه عبقرية العمارة الإسلامية، وآخر يرى فيه درساً في التسامح، وثالث يستشعر سكينة المكان. لكن الجميع يغادرون بانطباع واحد أن الإمارات استطاعت أن تقدم للعالم نموذجاً حضارياً يترجم قيمها بالفعل لا بالشعارات.
إن الدبلوماسية ليست دائماً اتفاقيات توقع أو خطابات تلقى، بل قد تكون بناءً يلهم ملايين البشر. وجامع الشيخ زايد الكبير أحد أبرز أدوات القوة الناعمة الإماراتية، لأنه نجح في تقديم صورة صادقة عن وطن جعل من التسامح نهجاً، ومن الحوار أسلوباً، ومن احترام التنوع جزءاً من هويته الوطنية.
وليس من قبيل المصادفة أن يعود كثير من الزوار إليه مرة بعد أخرى. فالمكان لا يُزار مرة واحدة، إنه تجربة روحية وثقافية تتجدد في كل زيارة. في النهار يكشف الرخام الأبيض عن نقائه، وفي الليل يرسم الضوء على القباب والمآذن لوحة تتغير مع حركة القمر، وكأن الجامع يعيش مع الزمن ويتنفس مع السماء، ليؤكد أن الجمال الحقيقي هو ذلك الذي يمنح الإنسان لحظة سلام مع نفسه.
في عالم يزداد انقساماً وضجيجاً، تبدو الحاجة إلى مثل هذه الرسائل أكثر إلحاحاً. فجامع الشيخ زايد الكبير لا يدعو إلى دين بقدر ما يدعو إلى قيمة، ولا يخاطب شعباً بعينه، بل يخاطب الإنسانية كلها. إنه يقول لكل من يدخله إن اختلاف الثقافات لا يمنع وحدة المشاعر، وإن الإيمان الحقيقي يبدأ باحترام الإنسان.
وهكذا، تبقى رسالة الإمارات التي يحملها هذا الجامع واضحة وبسيطة وعميقة في آن واحد، أن العالم، مهما اختلفت ألوانه وأديانه وثقافاته، يستطيع أن يقف تحت سقف واحد، تحيط به السكينة، ويجمعه السلام.
