خاص لـ هات بوست:
في منطقة اعتادت أن تُدار أزماتها على وقع التصعيد والردود المتبادلة، تبرز الدوحة مجدداً كعنوان للدبلوماسية الهادئة ومحطة لاختبار فرص التفاهم بين الخصوم. وما تشهده العاصمة القطرية اليوم من تحركات واتصالات بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اختزاله في كونه جولة جديدة من المفاوضات، بل هو محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي والأمني في منطقة لا تزال تعيش تداعيات واحدة من أكثر المراحل توتراً خلال السنوات الأخيرة.
اللافت في المشهد الحالي أن الطرفين لا يجلسان وجهاً لوجه، لكنهما في الوقت ذاته يدركان أن البديل عن الحوار هو مزيد من عدم الاستقرار. فواشنطن، رغم تفوقها العسكري والسياسي، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران ستكون مكلفة على المنطقة والعالم، فيما تعلم طهران أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات يفرض عليها البحث عن منافذ سياسية تخفف من أعباء المرحلة المقبلة.
خلال متابعتي لما نشرته عدد من الصحف ووكالات الأنباء الغربية، مثل رويترز والغارديان وأسوشيتد برس وفايننشال تايمز، يتضح أن اجتماعات الدوحة تُقرأ في الأوساط الدولية باعتبارها محاولة لتثبيت التهدئة أكثر من كونها مفاوضات تهدف إلى إبرام اتفاق شامل، من هنا تبدو هذه الاجتماعات أقرب إلى مفاوضات حول إدارة الصراع لا إنهائه. فالملفات المطروحة تتجاوز البرنامج النووي إلى قضايا أكثر إلحاحاً تتعلق بأمن الملاحة في الخليج، وضمان تدفق الطاقة، ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة جديدة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي الواقع، فإن جوهر الخلاف بين الطرفين لا يتمثل في غياب الحلول، بل في غياب الثقة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات يمكن توقيعها، لكن الحفاظ عليها يحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة وضمانات متبادلة. ولهذا تبدو المفاوضات الحالية قائمة على مبدأ الخطوات التدريجية؛ تنازلات محدودة مقابل مكاسب محدودة، بما يسمح ببناء أرضية مشتركة دون القفز إلى اتفاقات كبرى قد يصعب تنفيذها.
كما أن الدور القطري في هذه المرحلة يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الدبلوماسية الإقليمية. فالدوحة لم تعد مجرد وسيط ينقل الرسائل بين الأطراف، بل أصبحت منصة للحوار في ملفات تتجاوز حدود المنطقة، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة وقدرتها على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن الرهان على نجاح هذه الجهود لا يزال محفوفاً بالتحديات. فالمنطقة مليئة بالملفات المتشابكة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي، مروراً بأمن الممرات البحرية والعقوبات الاقتصادية. وكل ملف من هذه الملفات كفيل بإعادة الأجواء إلى مربع التوتر إذا ما تعثرت التفاهمات أو تراجعت الإرادة السياسية.
لكن رغم ذلك، يبقى ما يجري في الدوحة مؤشراً على حقيقة مهمة؛ وهي أن لغة الحوار، مهما بدت بطيئة ومعقدة، تظل أقل كلفة من لغة المواجهة. وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتداخل فيه المصالح، قد لا يكون المطلوب اليوم اتفاقاً تاريخياً بقدر ما هو تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو المجهول.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها الأطراف، بل بقدرتها على تجنب الحروب وصناعة المساحات المشتركة. ومن هذا المنطلق، قد تكون الدوحة اليوم أكثر من مجرد مكان للمفاوضات؛ إنها اختبار جديد لقدرة الدبلوماسية على الانتصار حيث أخفقت المواجهات.
