خاص لـ هات بوست :
إذا تجاوزنا الضجيج والادعاءات المحيطة بالمفاوضات، فإن مجرد استمرارها يظل مؤشراً على أن الطرفين يدركان أن كلفة الانهيار أعلى من كلفة التنازل. الأزمة المعلّقة تستنزف الجميع، واستئناف الحرب سيكون مدمراً، فيما لا تبدو إدارة ترمب راغبة في خوض حرب كبرى بلا غطاء سياسي كافٍ، ولا تبدو طهران قادرة على مواصلة النزيف الاقتصادي طويلاً تحت وطأة العقوبات وحرمانها من عوائد النفط، مهما بالغت دعايتها في تصوير العكس.
لكن السؤال الأهم: ماذا لو بدا الاتفاق، في شكله الظاهري، قريباً من اتفاق أوباما عام 2015؛ أي اتفاقاً يركّز على الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات؟ هنا تحديداً يجب ألا نقع في فخ المقارنة السطحية. ترمب ليس أوباما، أوباما دخل الاتفاق بوصفه مشروع تسوية تاريخية مع إيران، أما ترمب فيتعامل معه بوصفه صفقة مشروطة بالقوة والضغط والنتائج. الفارق ليس في النصوص وحدها، بل في فلسفة التفاوض: أوباما راهن على دمج إيران، بينما يراهن ترمب على كسر قدرتها على المناورة.
المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان الاتفاق الجديد سيشبه اتفاق عام 2015 في صورته العامة، بل بما إذا كان سيكرر الوهم السياسي الذي رافق ذلك الاتفاق الذي أصبح سلاح إيراني في وجه كثير من الدول خاصة الخليج. أوباما نجح، في أفضل الأحوال، في تأجيل اندفاعة المشروع النووي الإيراني لسنوات محدودة، لكنه قدّم هذا التأجيل بوصفه مدخلاً لتغيير أعمق في سلوك طهران في المنطقة.
دافع فريقه يومها عن الاتفاق في مواجهة اعتراضات خليجية وإسرائيلية وجمهورية واسعة، قائلاً إن فتح الباب أمام إيران سيرسخ الثقة، ويمنح التيار الإصلاحي فرصة أكبر، ويدفع النظام إلى الانخراط السلمي في محيطه الإقليمي والدولي. كانت الفرضية الأساسية أن عدوانية طهران ليست جزءاً من بنية النظام، بل نتيجة للعزلة والخوف والضغط الدولي.
لكن دول المنطقة، التي عرفت إيران وتعاملت مع سياستها عن قرب لا عبر تقارير مراكز الأبحاث وحدها، أدركت مبكراً أن المشكلة لم تكن في الحصار، بل في المشروع الإيراني نفسه. فرفع العقوبات لم يغيّر سلوك النظام الثوري بل أصبح أكثر شراسة، ولم يحدّ من تمدده الطائفي وتصدير الثورة، ولم يحوّل أمواله إلى تنمية داخلية أو انفتاح علي تعزيز العلاقات الخارجية، بل منحه هامشاً أوسع للحركة والمناورة. لذلك، فإن أي اتفاق جديد لا يُقاس فقط بعدد البنود أو مدة القيود النووية أو نقلها، بل بقدرته على منع تكرار الخطأ الأكبر وهو الاحتفاظ بتخصيب اليورانيوم، وأي شيء غير ذلك سيمنح ايران مكافأة النظام على التراجع المؤقت، ثم انتظار تحوّله إلى وحش من تلقاء نفسه.
