خللُ الميزان

آراء

خاص لـ هات بوست : 

     خلال تصفّحي منصة تيك توك، ظهر لي مقطعٌ قصيرٌ لمستشارٍ أسريٍّ يعتب فيه على الزوجة التي تلجأ للقضاء طلبًا للطلاق بسبب خيانة الزوج، وختم مقطعه بِحثّها على التجاوز وعدم “تخريب بيتها”، فكل إنسانٍ خطّاء، وللشيطان نزغات، وشهوة الرجل قد تسبقه! وقبل ذلك شاهدتُ مقطعًا لمستشارة أسرية تنصح فيه الزوجة بالتغاضي عن خيانة الزوج ما دام قائمًا على بيته على أكمل وجه، وتتهمها “بالغباء” إن فرّطَتْ في زوجٍ كهذا، داعيةً إياها لتفهّم الضعف البشري لدى الرجل! وهناك مقاطع أخرى عديدة لمستشارات ومستشارين أسريين – ووعّاظ أحيانًا – على منصات التواصل الاجتماعي تدور حول الفكرة ذاتها!

وما أراه أن اهتمام كل هؤلاء ينصبُّ على ضمان استمرارية الحياة الزوجية، مقابل تغييب الأسس التي يفترض أن تقيم عماد الأسرة “الآمِنة”. إنه خطابٌ يعتبر غريزة الرجل مسوِّغًا مقبولًا، وتتراجع فيه مقومات الأمان والاحترام والكرامة، وتُهمَل فيه قيم الالتزام والمروءة وجهاد النفس والمساءلة الأخلاقية العادلة للطرف المخطئ أو حتى مجرد الإشارة إلى إثمه.

ومع اقتراب ختام عام الأسرة، الذي جاء ليؤكد على أهمية الحفاظ على الترابط الأسري، ودور الأسرة في غرس القيم الأصيلة ونقلها إلى الأجيال القادمة، وأمام هذه الرؤية السامية يغدو مشروعًا أن نتساءل عن شكل الترابط الأسري الذي يجمع أفراد أسرة الخائن؟! وكيف يمكن لمن هدم عماد الثقة أن يغرس أو يورّث أيّ قيمة أخلاقية لأبنائه؟!

وكيف يُعفَى الخائن من تهمة “خراب البيت” بينما تُرمَى بها الزوجة العفيفة؟!

لا جدال في أن للزوجة حقَّ التغاضي عن خيانة زوجها إن كان ذلك مستندًا إلى قناعةٍ واعيةٍ وتفكيرٍ عقلانيٍّ يوازن بين المكاسب والخسائر، ويراعي مصلحتها ومصلحة أبنائها، إلا أن خلط المفاهيم يوقعنا في المهالك!

فتشكيكها في قيمها الأخلاقية ومشاعرها، ومطالبتها بتجاوز الشعور الطبيعي بالغدر، وتهوين الخيانة وتصويرها كخطأ بسيط وعابر لا يقدح في جوهر الأخلاق، ولا يمس أمان الأسرة وسلامها، والإيهام بسهولة تجاوزه، وتحميلها وحدها عبء الانضباط، والتسامح، وحماية الأسرة من الانهيار – إلى حد لومها إن هي لم تفعل – كل هذا من قبيل الابتزاز العاطفي والتلاعب النفسي، كما أنه اختلالٌ عظيم في رؤيتنا لكينونة الزواج، فالأصل أن حفظ الأسرة واحترام كيانها هو التزامٌ أخلاقيٌّ متكافئ يستوجب تحمّل كل طرفٍ واجباته المعنوية والمادية.

من زاويةٍ أخرى، فإن الزوجة في الغالب ترتضي الزواج ممن تثق في دينه وخلقه، لذا فإن الخيانة تعني إما أن الرجل قدّم نفسه بصورةٍ زائفةٍ منذ البداية، وإما أن هذه الصورة اختلّت لسببٍ ما، وهذا في تقديري تدليسٌ يقتضي التمعّن والمساءلة.

ولهذا فإن الدعوة إلى “التجاوز والتسامح” دون معالجة هذا التدليس أو النكوص، ودون إخضاع الطرف المخطئ لمساءلة حقيقية ومراجعة جذرية لذاته، هي دعوةٌ لبناءٍ مستقبليٍّ على أرضيةٍ متداعية، فالثقة إذا انهدمت لا تُرمَّم بالمسكنات والوعظ السطحي، بل بالعدالة، والإقرار بالخطأ، وجبر الضرر.

إن الكيان الأسري في جوهره مساحة أمانٍ نفسيٍّ وانعكاسٌ أخلاقي. وحين تُسلَبُ الثقة ويُنتَهكُ العهد ويُفرَّطُ في الأمانة، يصبح الحديث عن “التغاضي” دعوةً صريحةً لتطبيع الانحراف، بل لعله إغراءٌ به كونه بلا كُلفة! كما أنه يضع الزوجة تحت ضغط التعايش القسري والقلق الدائم، وهذا اختلالٌ بيّن في ميزان العدالة الأخلاقية، وتنافٍ جليّ مع المقصد الإلهي الأسمى للزواج: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  …”

والأسوأ من ذلك أن هذا الخطاب التبسيطي الذي ينتشر على وسائل التواصل يغفل تمامًا مفهوم “الجرح النفسي للخيانة” (Betrayal Trauma). فالزوجة التي تتلقى صدمة الخيانة لا تخوض مجرد انفعالٍ عاطفيٍّ لحظيّ، بل تصارع حالةً من تداعي المعنى واهتزاز منظومة القيم، وهذا الطرح في الفضاء الرقمي إنما يزيد من ضراوة هذا الصراع.

لا شك أن حفظ الأسرة ضرورة، لكن الحرص المبالغ فيه على الصورة الخارجية لٍضمان بقاء أفرادها تحت سقفٍ واحد، لا يعني التغافل عن قيمة الاستقرار النفسي، وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية التي يجب أن تكون دعائم أساسية لهذا الاستقرار. وانتشار هذه المقاطع بكثرة يعكس رغبة بعض الطروحات في تقديم “حلول سريعة ومريحة” تُبقي على المظهر الاجتماعي، لكنها على المدى البعيد تؤسس لبيوتٍ هشّة، وتورث الأجيال مفاهيم مشوّهة عن المسؤولية، والكرامة، والحق.. بل وحتى عن الخطأ والذنب.

إن الدعم الأسري الرشيد لا يهدف إلى إدامة الحياة الزوجية فحسب، بل يهدف إلى إقامة علاقةٍ سويّةٍ وصحية بين طرفَيها يتحقق فيها السكن ويستقيم فيها الميزان. وفرقٌ شاسعٌ بين “الصلح” القائم على مراجعة الذات والتوبة الصادقة وضمان تغيير السلوك، وبين “التغطية على الخلل” وتطبيع الانحراف، وتكريس نمط علاقةٍ قوامها الاستهانة بقدسية الميثاق الغليظ ومشاعر الطرف الآخر، ومعظم الطرح الذي نراه في المنصات الرقمية إنما يؤسس للشق الثاني ويتجاهل تمامًا الشق الأول!

وآخِر القول..

صلاح البيوت يكون بإصلاح عوارها، لا بتجاهله وتركه بلا علاج