خاص لـ هات بوست:
سُئلتُ ذات يوم: كيف تكيّفتِ مع رحيلها؟!
كانت سائلتي تصارع قلقها وخوفها من فقْد أمها، حفظها الله وبارك في عمرها.
كان سؤالًا مباغتًا لم أتهيّأ له، ولم أفكر يومًا كيف يفترض أن أجيب عنه، ولعل ذلك ما جعل ردّي متلعثمًا هزيلًا حِرْتُ في صياغته برفقٍ لا يُثقل مخاوفها.
خاضت أمي – رحمها الله – رحلة مرضٍ طويلة، زادت وطأتها مع مرور الوقت، وانتهت بغيبوبةٍ عزلتها عن العالم لمدةٍ تقارب السنة.
كنتُ – أو هكذا ظننتُ – واقعيةً جدًا وأنا أشهدُ تعثّر رحلة علاجها، وأقنعُ نفسي – بهدوءٍ وعقلانية – بأن بعض الأمراض لا شفاء منها، وأنني في موقفٍ يختبر تسليمي بقضاء الله، ومن ثَمَّ قبول المرحلة التالية دون وَجَل، وكأني بها أهون مِن فَجْعِ الفجأة!
نحن نتخيل حين نرافق مرضانا خلال رحلة معاناتهم، أو حين يُسلب منا حضورُ مَن نُحبُّ تدريجيًا، أننا ندرّب أنفسنا على التخفيف مِن الصدمة، فنظن أن التفكير المنطقي وقبول الحقائق الطبية وإقناع الذات بحتمية النهاية سيعفينا من مرارة الفجيعة!
وعندما وقعت تلك اللحظة، لم أفزع بالفعل، ولم أبكِ!
لم أُجهِدْ نفسي حينها في تطويع اللغة للتعبير عن الموقف، ولا في صياغة كلماتٍ تشرح ما ألمَّ بي أو تبرره. لم أفتّش في قلبي عن موضعِ الحزن أو مكمنِ الألم، ولم أسائل عيني عن دموعها أو أحاكمها لأنها لم تذرفها كما يجب.
“كنتِ تعلمين مبكرًا أنّ النهاية قريبة!”
هكذا أخبرتُ نفسي وأنا أتقبّل عزاء أمي.
ما حدث بعد ذلك هو رحلةٌ أخرى بدأت بعد رحيلها ولم تنتهِ أبدًا، كنتُ – وما زلتُ – أراها في كل مرحلةٍ أعيشها، وعند كل قرارٍ مصيريٍّ أتّخذُه: ماذا ستقول؟ أيّ دعمٍ ستهبني؟ كيف ستوجّهني وبِمَ ستشير عليّ؟ هل ستشجّعني وتشيد بي أم تحذّرني وتوبّخني؟ أتُراها ستلمس في تصرفي حكمةً أم حُمقًا؟
وأحيانًا أشعر بالوهن فأتمنى لو أنها هنا لتأخذ بيدي وتقودني!
أما في ذكرى وفاتها – كاليوم – فإنني عادةً أكتب عبارةً قصيرةً عابرةً في إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
رحلت أمي منذ سبعةٍ وعشرين عامًا.
سبعةٌ وعشرون عامًا لم أُحْسِن خلالها وصف إحساسي بالفقد والحزن، ولم أتمكّن من التعبير عن شعوري بالاشتياق والاحتياج..
إنني أبكي فقط!
وآخِر القول..
سلامُ الله على روحكِ يا أمي، ورحمته تغشاكِ.
