ترحيلُ أزمات التعليم في مصر .. لن يُجديَ نفْعًا!‏

آراء

     انطلاقًا من رؤية وطنية واقعية، تؤمِن بأن قوة مصر الحقيقية تكمُن في أبنائها، الذين هُم ‏بالفعل ثروتها الحقيقية، تبرُز الحاجة الملِحة اليوم، وأكثر من أيِّ وقت مضَى، لقرار ‏تاريخيٍّ شجاع وحاسم، يقتلِع أزماتِ منظومة التعليم من جذورها، ويواجِه – بعزْم وإصرار ‏‏- مشاكلَ منظومة التعليم المصري، واختيار المستقبَل؛ لا تمرير الأوضاع فقط.‏

     إن مواجَهة أباطرة التعليم – المستفيدين من بقاء الحال كما هو عليه في مصر – ليست ‏مستحيلة، كما يصوِّرها البعض، نعم نعلم أنها مواجَهة شديدة الصعوبة، لكنَّها مواجَهة ‏ممكِنة للحفاظ على هُوَية ومستقبل أعرق شعوب العالم، كما يمكن للباحثين تفكيك فزَّاعة ‏الموازنات الهائلة، التي يتطلَّبها إصلاح التعليم بطُرُق متعددة.‏

     ويثِق المتجرِّدون من الانتماءات أن القيادة السياسيةَ لديها القُدرة على مواجَهة المصاعب، ‏وحلِّها بحِكمة وتعقُّل، مع تذليل المعوِّقات واحدًا تلْو الآخَر.‏

     فترحيل أزمات التعليم – في مصر، عامًا بعد آخَر – لن يفيد، كما أن الخوف من ‏مواجَهة ملَفِّ التعليم سيُفقِدنا موقعًا مميَّزًا في المستقبَل، فالمبرِّرات المبالَغ فيها، التي ‏تُساق للقيادات والمسئولين، لإقناعهم بأن إصلاحَ التعليم في مصر صعبٌ؛ لأنه يتطلَّب ‏أرقامًا فلكية وعشرات المليارات من الدولارات، التي تعجَز عنها موازنةُ الدولة، يقِف من ‏خلْفها المنتفِعون من نظام التعليم الحالي، كما يساعدهم تيار المرتعِشون دائمًا من أيِّ ‏تغيير.‏

     وغالبًا ما يُحاصَر ملَفُّ إصلاح التعليم بتقاريرَ مخيفة، ومقترَحات تقليدية، تُصوِّر الأزمة ‏على أنها “ثقبٌ أسودُ” يبتلِع الموازناتِ دون جدوى. لكنَّ الحقيقة المجرَّدة التي يجب أن ‏تُقال بجرأة: أزمة التعليم في مصر ليست أزمة أموال فقط؛ بل أزمة إدارة، وأولويات، ‏وتقارير إداريه صُنِعت عمْدًا؛ لإبقاء الوضع على ما هو عليه. ‏

     فإذا ما تتبَّعنا ما يُطرَح في اللجان، التي تُعقَد لوضْع تصوُّر وتوصيات لمواجَهة هذا ‏المَلَف أمام متخِذ القرار؛ سنجد خِطابًا مرعبًا يتكرر بصيَغ مختلِفة، من قِبل بعض ‏الخبراء البيروقراطيين:‏

     يقولون: إننا أمام أعداد مرعِبة، تتجاوَز 25 مليون طالب، وكل بِناء لمدرسة جديدة ‏بالموَاصفات الحديثة يكلِّف عشرات الملايين، وتطوير المناهج وتحويلها إلى رقمية لكل ‏هذه الأعداد سيكلِّف مليارات الدولارات، التي لا تملكها الدولة، وسط تحديات الديون ‏وفوائدها.‏

مع ملاحظة أن خبراء التعليم في العالم يعاوِدون الآن النظر في هذه المناهج الرقمية، ‏والرجوع ثانية للكتُب والأوراق والأقلام؛ أيْ للتفكير والابتكار والتخيُّل، والمزاوَجة بين ‏النظامَين.‏

     يقولون: نحن أمام “بنْية تحتية منهارة تمامًا، وتأهيل المدارس القائمة يحتاج إلى موازَنة ‏دولة أخرى” يُقال للقيادة السياسية إن آلاف المدارس تعاني من تكدُّس الفصول (أكثر من ‏‏80 طالبًا أحيانًا)، وإن توصيل الإنترنت، وبِناء المَعامِل، وصيانة دورات المياه، وتوفير ‏التدفئة أو التهوية في ربوع مصر كافة، سيتطلب أرقامًا فلَكية، تُقدَّر بمئات المليارات من ‏الجنيهات، التي ستعصِف بالتوازُن المالي والنقدي للبلاد. ويضيفون أن الإصلاح الشامل ‏يحتاج لــ 250 مليار جنيه سنويًّا، في حين أن الهيكل التعليميَّ الحقيقي لا يتطلَّب كلَّ ‏هذا الحشْد من الاحتياجات، ويمكن البدء من الأساسي فيه.‏

     يقولون: معلِّمو مصر بالملايين، وأيُّ تحسين حقيقيٍّ لأجورهم؛ يعني انهيار الموازَنة ‏العامة للدولة. كما يُحذِّرون من أن إحداث نقْلة نوعية في رواتب المعلِّم – بما يجعله ‏يتفرَّغ تمامًا، ويترك الدروس الخصوصية – سيكلِّف الخزانة العامة أرقامًا طائلة، لا ‏تتحمَّلها الدولة، وأنَّ أيَّ زيادة في رواتبهم ستخلُق تضخمًا هائلًا في قطاع الأجور.‏

     يقولون أيضًا: إن “الاستثمار الأجنبيَّ في التعليم والمدارس الدولية خطٌّ أحمرُ للطبقة ‏المتوسطة والعُليا، والمسَاس به قد يثير غضب النُّخَب”، كما أن تحجيم المدارس الأجنبية ‏أو فرْض شروط قاسية عليها لتدريس اللغة العربية، والحفاظ على الهُوَية؛ سيؤدِّي إلى ‏هروب رؤوس الأموال، وانسحاب المستثمِرين الأجانب، واحتجاج الطبَقات المؤثِّرة، التي ‏تعتمد على هذا النوع من التعليم.‏

     هذه “الفزَّاعة المالية” أدَّت تاريخيًّا، وعلى مَرِّ عقود، إلى تراكُم التخوُّفات، ومن ثم الإحجام ‏عن التطوير؛ حين فضَّل صُنَّاع القرار الاكتفاء بـ “المسكِّنات” والتطوير الشَّكْلي (والاكتفاء ‏ببعض الترميم للمباني، أو توريد أجهزة تابلت دون منظومة محتوى تفاعُلي حقيقية، أو ‏تغييرات طفيفة في المناهج) هروبًا من الدخول في دوَّامة المليارات المزعومة. ‏

‏- كيف يمكن إصلاح التعليم بلا موازَنات فلكية؟

يكمُن الخطأ الأكبر في الاعتقاد بأن إصلاحَ التعليم يبدأ من “الخرسانة والطوب”، أو ‏ضَخِّ أموال في منظومة متهاوية.‏

وأحسب أن الإصلاح الحقيقيَّ يعتمِد على محورَين أساسيَّين: إعادة تأهيل المدرِّس ‏المصري، والإصلاح “الإداري والهيكلي”، الذي يعتمد على إعادة توجيه الموارِد الموجودة ‏بالفِعل، بواقعية وعدالة.‏

     حيث تخصِّص الدولة المصريةُ بالفِعل أموالًا طائلة على التعليم، لكنَّ النسبة الأكبر ‏تذهب إلى أجور موظَّفين لا علاقة لهم بالفصل الدراسي، بينما يُترك المعلِّم – الذي هو ‏أهم أضلاع المثلث التعليمي – بلا دخْل يكفي متطلِّبات الحياة، ودون إعداد لائق ولا ‏دورات تأهيل حقيقية. ‏

     وأحسب أنه لو تم تطهير الهياكل الإدارية من كل الوظائف الطفيلية، وتوجيه الدعم ‏المالي مباشَرة إلى المعلم داخل الفصل؛ لوَفَّرنا الكثيرَ من المغامرات، التي عِشنا فصولها ‏تباعًا في السنوات الماضية، لنجد أعلى نِسَب تسرُّب الطلاب من المدارس.‏

     لا يعني ما أقوله إننا لسنا بحاجة لزيادة مقدِّرات التعليم في الموازَنة العامة للدولة؛ بل ‏نحن في أمَسِّ الحاجة إليها، لكن يمكننا الانفتاح على مقوِّمات أخرى خارج موازنة الدولة، ‏مثل الاستفادة من الأوقاف، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص الوطني، وأيضًا الإعداد ‏والتخطيط لشراكات ذكية بين الدولة ورجال الأعمال الوطنيين الشرفاء، (وليس ‏المستثمرين الجشعين)، تحت مِظَلة “المسؤولية المجتمعية”؛ لتمويل صيانة المدارس ‏الحكومية في القُرى والنجوع، مقابل إعفاءات ضريبية محدَّدة.‏

     يذكُر التاريخ أن المصريين بنَوا جامعة القاهرة بالتبرعات من طبَقات المجتمع كافة، كما ‏أنهم أذكياء بما يجعلهم يميِّزون الصالح لمستقبَل أولادهم ووطنهم. وهو ما يجعلنا نعاوِد ‏النظر في اقتصاديات التعليم، إذ لابد من دراسة نظام التعليم النصف مجاني، وإعادة ‏النظر في التضامن التعليمي، فالأُسر القادرة، التي تنفِق آلافَ الجنيهات على الدروس ‏الخصوصية، قادرة على دفْع مصروفات حقيقية لتعليم أبنائها في المدارس الحكومية ‏المطوَّرة، بشرط أن تذهب هذه الأموال مباشَرة لصندوق المدرسة؛ لتحسين أجور معلِّميها ‏ومبانيها. وهو ما يساعِد على رفْع جُزء من العِبء التمويلي عن كاهل الدولة، وهو أيضًا ‏ما يمكِّن الدولة من توجيه الدعم الحكومي الكامل للمستحِقين من الأُسر الفقيرة.‏

     إن تصدُّع منظومة التعليم، وترحيل المواجَهات، وتهميش اللغة العربية لصالح اللغات ‏الأجنبية بين النخب، سيؤدِّي خلال عقْد من الزمان إلى انقسام وطنی خطير، وهو ما بدأ ‏يظهَر من حولنا؛ جيل غربيُّ اللسان والتفكير، يعيش فوق أرض مصر؛ لكنه لا ينتمي ‏لثقافتها، ولا يقرأ تاريخَها، ولا يفهم هُوَيتها الخاصةَ؛ “إيجيبت”، وجيل آخَر مهمَّش تعليميًّا، ‏يعاني من أُمِّية مزدوَجة، وضعْف معرفيٍّ حاد. في حين لا تُبنَى الأوطانُ إلا بالوعي ‏الوطني المشترَك، واللغة الواحدة، التي تُشكِّل هُوَية الأُمة وذاكرتَها التاريخيةَ.‏

‏     47 مليار دولار هي قيمة تحويلات المصريين من أموال من الخارج في عام 2025، هذا ‏الرقم الضخم يعكس جدارة المواطن المصري حين يُمنَح تعليمًا سليمًا، وتأهيلًا حقيقيًّا؛ ‏وحاجة مصر لأولادها الذين تلَقَّوا تعليمًا حقيقيًّا للداخل والخارج معًا، وذلك لنهضتها ‏ورِفْعة شأنها.‏

القادة الذين تجرَّؤوا على كسْر التابوهات، هم وحدهم مَن يخلَّدون، القادرون على مواجَهة ‏الصعاب وتذليلها، والصبر على المنتقِدين.‏

     يحتاج إصلاح التعليم في مصر إلى إرادة سياسية فولاذية، تُدرِك أن بناء الإنسان ‏المصريِّ هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخبُو، وأن حمايةَ اللغة العربية حمايةٌ للأمن ‏القومي بمعناه الأعمق والأبقى. وإلى المقال القادم.‏

المصدر: المصري اليوم