خاص لـ هات بوست:
يقول الكاتب والناقد الإنجليزي الشهير صامويل جونسون:
“عندما يتعب المرء من لندن، فهذا يعني أنه قد تعب من الحياة؛ ففي لندن يوجد كل ما يمكن للحياة أن تقدمه.”
سُئلت كثيراً عن شغفي وإصراري على العودة إلى لندن، رغم المغريات الكثيرة في نواح أخرى من العالم، وكان الجواب دائما : الألفة والحنين ، قد لا تبدو المدينة براقة في عيون كثيرين، لكنها تظل مثيرة لمن يزورها للمرة الاولى، وربما اكثر إثارة لمن يعود إليها فيجدها لا تزال تحرك النفس وتوقظ الشجن.، ثمة انجذاب عاطفي وشعور لا متناهٍ في سبر غور هذه المدينة التي تبدو للوهلة الأولى كأنها لا تحوي شيئاً، وفي الوقت ذاته تحتضن العالم بأسره، بثقافاته، وجوهه، أسواقه، مدنه، بشره، تناقضاته، وحتى روايات غموضه. إنها تمتع الرائي حين يشد الرحال إليها بذاك الشعور الذي يصعب وصفه، سوى القول: إنها تجذبني لسحر يمزج الحب بغرابة المكان.
مصدر هذا الشعور المتجدد كان كتاباً أُهدي إليَّ باسم صيف لندن ؛كتاب مصور يسجل عمق لندن وجمالها ويستعيد يومياتها التي مررنا بها لكننا لم نعِيها حق قدرها؛ رأيناها ولم نلتفت إلى تفاصيلها، عشنا لحظاتها ولم نتلمس عمقها، ومع كل صورة اجتاحني حنين إلى ما مضى ، شعور جارف استدراكاً إلى ما مضى ، هنا كنا، هنا مشينا، هنا تبضعنا، هنا معرض، هنا مسرح، هنا حافلة ومترو وقطار، وهنا ألعاب، وهنا طفل صغير كبر معنا ولم يعد يسافر إلا مع أصدقائه
محمد المر الأديب والمثقف والقاص والمصور وهي صفات يحملها بحق أعاد ذلك الشعور إلينا بعدسة رأت في الصيف اكثر من مجرد هواء عليل وطقس منعش، بل رأت صباحات يغمرها السكون و الحنين ، ومساءات يملؤها الفن والثقافة وتفتح أبوابا على الإرث الإنجليزي والعالمي.
لقد أيقظ بداخلي متعة اكتشاف مدينة ألفناها لكننا لم ندركها الإدراك الكامل ، تلك الصور أيقظت في داخلي الديناميكية الحسية والرغبة في كشف تفاصيل تلك الأمكنة التي مررنا بها يوماً دون أن نلحظ تفاصيلها وتوقفنا في زواياها دون أن نتمهل ونستمتع بجمالها.
تقول الروائية البريطانية الكبيرة فرجينيا وولف (Virginia Woolf):
“أن تمشي وحيداً في لندن، هو أعظم راحة يمكن أن تحصل عليها.”
مشينا طويلاً، لكننا لم نوجه البوصلة نحو إدراك روح تلك الشوارع والأماكن وجاءت هذه الصور لتعيد الينا القدرة على رؤية ما اعتدناه وتوقظ حاسة الإدراك لجمال مكونات هذه المدينة العظيمة وسحرها الغريب.
ويقول الروائي الأمريكي الإنجليزي هنري جيمس (Henry James):
“من الصعب التحدث عن لندن بما تستحقه أو بشكل عادل؛ فهي ليست مكاناً مبهجاً تماماً، ولا سهلاً، لكنها فحسب.. عظيمة ومجيدة”
عظيمة ومجيدة.. يختصر الكلام بعبارتين، فكثرة الكلام أحياناً تقتل المتعة.
ويأتي كتاب صيف لندن لينقلنا إلى عدالة النظر بقلب شغوف وعين محبة لمدينة كبرنا معها، وظلت في أعيننا فتية بنفس المعالم، ترحب بنا وتدعونا في كل زيارة إلى اكتشافها من جديد ، وإن صعب عليك ذلك.. فاستعن بصديق ،،
الصديق محمد المر، وكتابه “صيف لندن”
