“التخصّص”… أم الموافقة؟

آراء

خاص لـ هات بوست: 

هل التخصص هو المعيار فعلًا، أم أنه يُستدعى انتقائيًا لرفض الرأي المخالف؟

في سياق تجديد الفكر الإسلامي فإن “التخصّص” ليس دائمًا حجةً صادقة.

هذا ما خلصتُ إليه بعد سنواتٍ من متابعة ردود الفعل الحادة أمام كل طرحٍ دينيٍّ مختلف. فالواقع – حسب متابعتي – أن التخصّص ليس هو المعيار الحقيقي لدى كثيرٍ ممن يقاومون تجديد الفكر الإسلامي، ولا يُقام له الوزن نفسه في كل الأحوال، فما إن يهزّ المتحدث مسلّماتهم الفكرية، ويزعزع يقينهم بالمألوف، وينتهي إلى نتيجةٍ لا يريدونها، حتى يصبح “التخصّص” موضع السؤال.

على امتداد عقودٍ، وفي أكثر من بلدٍ وسياق، كان كثيرٌ ممن يطرحون قراءةً نقديةً، أو تأويلًا مغايرًا، أو رؤيةً تنويريةً تستحق التمعّن، يُعَدّون “رويبضة” في نظر العقول الرافضة للمراجعة، حتى لو كانوا حاصلين على أعلى الشهادات الشرعية المتخصّصة، وحتى لو كانوا أبناء المؤسسة الدينية الرسمية، بل حتى لو كان أحدهم على رأس الإفتاء في بلده.

هذه الفئة لا تناقش الأفكار التجديدية المطروحة، ولا تُخضعها لقواعد العقل والمنطق، ولا تتصور احتمالًا لصوابها، ولا تتأمل مدى اتساقها مع روح الدين وانسجامها مع مقاصده وقيمه الإنسانية العليا، ولا تأخذ المرجعية العلمية والتخصّصية لأصحابها على محمل الجد، بل ترفضها لمجرد خروجها عن سياق الامتثال للخطاب التراثي السائد، حتى لو كان المتحدثون متخصّصين بالفعل. وكأننا أمام “حراسة أرثوذكسية” أخرى!

وما زلت أذكر الدهشة التي أخذت كثيرين عندما طرحت الدكتورة ماريا الهطالي رؤيةً جديدةً حول آية “… وَاضْرِبُوهُنَّ …”، وذلك في إحدى حلقات البرنامج الرمضاني “قرآن مبين”، الذي عُرِض على قناة الإمارات عام 2023، وكان يستضيف نخبةً من المتخصّصين في الدراسات الإسلامية، إذ أوَّلت الضرب المقصود في الآية بالمفارقة والمباعدة عن بيت الزوجية، لا الضرب الجسدي كما جرى فهمه في القراءة الفقهية الشائعة. وأذكر كيف استنكرها البعض واعتبرها تمييعًا، رغم أنها رؤيةٌ إنسانيةٌ تحترم المرأة، ولا تخدش مروءة الرجل.

وكان الأجدر – في تقديري – أن تُستقبَل مثل هذه القراءة بالاهتمام والتمعّن، وأن يكون اتساقها مع كرامة الإنسان مدعاةً إلى فحص حُجتها، لا إلى مقاومتها لمجرد مخالفتها للمألوف. فليس من المنطقي أن يصبح الدفاع عن قراءةٍ موروثةٍ غايةً في ذاته، حتى مع وجود قراءةٍ اجتهاديةٍ أخرى تقدّم فهمًا أكثر صونًا لكرامة المرأة وأكثر احترامًا لكيان العلاقة الزوجية.

في المقابل، فإن العقل الدوغمائي والعقل الجمعي برمّته يسمحان حتى للعامي أن ينقل عن التراث أو يدافع عنه دون أن يتثبّتا من تخصّصه أو يُسائلاه في حُجته، فيغدو حديثه “فطرةً سليمة” و”غيرةً محمودة” على الدين، يُعفَى معهما من أي اشتراطاتٍ علميةٍ تُشتَرَط على غيره.

وهنا تتكشّف المفارقة، فالمتخصّص المخالِف يُطالَب بإثبات تخصّصه وأهليته، وربما لا يكفيه ذلك كله، بينما يُعفى غير المتخصّص من هذه المَطالب ما دام يردّد المألوف. وعندئذٍ لا يعود “التخصّص” هو المعيار الحقيقي، فالمعيار، في حقيقة الأمر، هو موافقة القراءة التراثية السائدة والالتزام بحدودها.

إن البحث والتفكيك ومراجعة المسلّمات عملياتٌ فكريةٌ ذات كلفةٍ نفسيةٍ وعقليةٍ باهظة، لذلك لا يُستدعَى السؤال عن التخصّص بالحدّة نفسها طالما أن المتحدث لا يُفسد منطقة الراحة الفكرية التي يألفها الناس. فالمتحدث التقليدي – حتى وإن لم يكن متخصّصًا ولا يملك من العلم إلا قشورًا – يقدم للجمهور خدمةً مجانية: إبقاء الوضع على ما هو عليه وتجنيبهم قلق المراجعة، لذا يُتغاضى عن قلّة علمه، لأن مجرد دفاعه عن السائد يُشعِر الجمع بأمان الانتماء إلى التيار العريض.

عندما يستقر رأيٌ فقهيٌّ أو فهمٌ بشريٌّ زمنًا طويلًا، يتسلل إلى الوعي الجمعي وهمٌ بـ “أبديته”، فيتحول من اجتهادٍ بشريٍّ في فهم النص إلى جزءٍ من الهوية الدينية، فيُعَدُّ التفكير في زحزحته تهديدًا وجوديًا للبناء كاملًا. وهذه أزمة العقل الدوغمائي الذي يحصر الحق الفقهي في دائرةٍ محدودةٍ من الآراء، في حين أن استمرار الاجتهاد وتغيّر الآراء الفقهية ليسا دليلًا على خطأ الاجتهاد السالف بالضرورة، بل هما دليلٌ على سعة الشريعة وقدرتها على استيعاب حاجات العصور ومتطلباتها وتطوراتها.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء تصورنا للحدود الفاصلة بين الثوابت والاجتهاد، بحيث نعي أن المراجعة والنقد والتصحيح، والانتقال من اجتهادٍ مُعتبرٍ إلى اجتهادٍ آخر مُعتبر، أمورٌ طبيعيةٌ وواقعية، ولا تتعارض في ذاتها مع أصول الدين وثوابته. وعندها فقط لن يعود شرط “التخصّص” حجةً تُقحَم في النقاش على ذلك النحو الانتقائي الذي نراه كلما طُرِح رأيٌ لم يألفه العقل الجمعي.

وآخِرُ القول..

إن أشدَّ أشكال التعصّب ضراوةً لا يحمي الفكرة، بل يحمي ما تمنحه لمعتنقيها من أمان.