اللُّغة العربيةُ فى ظِلِّ سَطْوةِ التعليم الأجنبىِّ والطبقيَّة

آراء

     فى لقاءٍ مع إحدى الأُسر الصدِيقة، منذ أيام، والتى ضمَّت أكثرَ من خمسة أطفال، أعمارهم تبدأ من ثلاث سنواتٍ حتى الثانية عشرة، لم أسمع حوارًا واحدًا باللغة العربية بين الآباء والأمهات وأولادهم، وحين تحدَّثتُ إلى أحدهم- الذى تجاوَز العَشرَ سنوات- باللهجة المصرية؛ تحدَّث معى وكأنه أجنبيٌّ يتحدث العربية بصعوبة. ولا تنطبق هذه الظاهرة على أُسرة واحدة؛ بل تتكرر فى شرائحَ واسعةٍ، وتُنذر بخطرٍ أبعدَ من مجرَّد التحدث بلُغة عدَا العربية.

١ــ ماذا فعلنا بلُغتنا العربية، والأهم بهُوَيتنا؟

     تواجِه معظمُ المجتمعاتِ العربية المعاصِرة تحوُّلاتٍ ثقافيةً عميقة، طالت البنْية الجوهريةَ للشخصية العربية، وعلى رأس هذه التحوُّلات أزمةُ تراجُع مكانة اللغة العربية، لصالح اللغات الأجنبية، ولا سيَّما الإنجليزية.

     منذ البداية، لستُ ضِد تعليم اللغات الأجنبية، بل أعرف أهميتها، لكن للأسف لمْ تعُد هذه الظاهرةُ مجرَّد تفضيل شخصيٍّ أو حاجة عمل؛ بل تحولتْ إلى منظومة اجتماعية متكامِلة، تبدأ من جدران المنازل، وتمُر عبْر غُرف الأطفال، مع المُربِّيات الأجنبيات، وصولًا إلى المؤسَّسات التعليمية المتعددة، التى رسَّخت فجوة طَبقيةً غيرَ مسبوقةٍ.

     تتأسَّس أزمة اللغة العربية والهُوَية فى وقت مبكِّر جدًا من عمْر الطفل، وتحديدًا داخِل الأُسرة. حيث باتت شرائحُ واسعةٌ- لا سيما فى الطبقتين العُليا والوسطَى العُليا- تعتمد على التحدث مع أبنائها باللغة الإنجليزية، منذ طفولتهم المبكِّرة. ولا ينبع هذا السلوكُ دائمًا من ضرورة الدراسة؛ بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتباهى الاجتماعى، والنظرة الدونية لِلُّغة الأُم، بوصْفها لغةً «غير مواكِبة للعصر».

     وتتضاعَف هذه الإشكاليةُ بوجود الخادمات والمُربِّيات الأجنبيات، اللاتى يُعتمَد عليهن بشكل شبه كُليٍّ فى تربية الأطفال ورعايتهم، منذ الولادة. هكذا، يجِد الطفلُ نفْسَه غارقًا فى بيئة لُغوية أجنبية بالكامل، لتصبحَ اللغة الإنجليزية هى وعْيه الأول، ووسيلته للتعبير عن مشاعِره، واحتياجاته، وأحلامه، فى حين تُمحَى العربيةُ أو تُهمَّش؛ لتقتصِرَ على إشارات يومية بسيطة.

     ثم نواجَه بالطبقية التعليمية؛ ففى مقابِل جودة محتكَرةٍ فى التعليم ومناهجه وكتُبه ومدرِّسيه، والوسائط التى يستخدمها الطلبةُ فى العملية التعليمية، فى المدارس الإنترناشيونال، تُهمَّش العربية فى نفْس المدارس؛ حيث يتعيَّن أن يدرُس بها الطلَبَةُ الدراساتِ الاجتماعيةَ والدين واللغة العربية. هذا فى مقابِل ظاهرة تسرُّب الطلاب فى مدارس التعليم الحكومى، وإهمال واضح فى كلِّ أضلاع مثلَّث العملية التعليمية.

     الواقع يشير إلى الهُوَّة التعليمية العميقة، التى تعانى منها معظم بلدان المنطقة العربية، وأولها مصر؛ حيث تنقسم المنظومة التعليمية إلى قُطبَين متناقِضَين:

     المدارس الأجنبية والدولية؛ حيث الملاذ الحصْريُّ للطبقة العُليا والوسطَى العُليا. وتقدِّم هذه المدارسُ تعليمًا فائقَ الجودة، لكنَّه يُبنَى غالبًا على سلْخ الطالب تدريجيًّا من بيئته الثقافية، وتكريس التبعية الفكرية للثقافة الغربية. ورغم أن هذه الفئة تُمثل العدد الأقل مجتمعيًّا؛ فإنها تحتكِر غالبًا مواقعَ التأثير المستقبلى؛ أيْ أنهم الفاعلون فى القادم القريب والبعيد. وعلينا هنا أن ندُقَّ جرَس إنذار؛ حيث سيخلو المستقبل من اللغة العربية، ويفرغ من التاريخ، وآداب اللغة العربية، يخلو من السينما العربية، والأغنية، وفى تلك المنظومة التعليمية الثقافية، ليس هناك حضورٌ لأعلام الحضارة العربية، سيخلو المستقبل من الشعور بالخصوصية ومميزات هُوَيتنا، وربما يخلو أيضًا من الانتماء للأوطان.

     أمَّا المدارس الحكومية- التى يرتادُها السواد الأعظمُ من أبناء الطبقات المتوسطة والدُّنيا- فتعانى من تراجُع حادٍّ فى جودة التعليم، والبُنَى التحتية، والمناهج التى تعجَز غالبًا عن تقديم العربية بلُغة حَية وجذَّابة، وتفتقر إلى المدرِّس المعَد بعناية، والمتفرِّغ للتدريس فى المدرَسة، دون دروس خصوصية، المدرس المثقَّف فائق المعرفة. وهو ما يترُك لنا أجيالًا تُعانى من أُمِّية مزدوَجة؛ فقْر فى اللغات الأجنبية، أيْ انفصال عن العالم الخارجى بكل تطوراته، وضَعْف متزايد فى القراءة والكتابة بالعربية السليمة.

٢ــ انعكاسات تراجُع العربية على الهُوَية والوعى التاريخى

     اللغة ليست مجرد أداة للتواصل فقط، فنحن نَعِى العالمَ باللغة، نفكِّر ونشعر بها؛ لذا تبقَى الحاملةَ للثقافة والذاكرة التاريخية. وحين يفتقر إليها الجيلُ الذى نشأ وتكوَّن وعْيه بالإنجليزية؛ سيصبح تاريخُنا بالنسبة لمعظمهم مجرَّدَ سرديات مترجَمة، مجرَّدة من روحها وعُمقها العاطفى والثقافى. هذا الانفصال يفرِّغ الهُوَية من محتواها، ويجعل الشاب العربيَّ غريبًا عن تاريخه، متبنِّيًا لوعْى استعلائى، ينظر لثقافته المَحلية بعَين الرِّيبة.

     ويمتد هذا التراجع للعربية، والقطيعة معها؛ ليصل إلى الآداب المحلية والفنون، التى تُسهِم فى تشكيل وِجدان الأُمم، وتبرِز خصوصيةَ مجتمعاتها؛ ومن ثم ترصُد تحولاتِنا، وخصوصيةَ هُوَيتنا، التى ندرك جميعًا ضرورةَ أن تكون متحركة، ثابتة فى بعض المَحاور، ومتطوِّرة فى الأخرى.

     ولقد لاحظتُ انفصالَ الطلبة- الذين يدرسون بالإنجليزية- عن السنيما المصرية والعربية، لا يعرفون مبدعيها ولا نماذجها، ولذا تعانى السينما والمسرح الجاد فى العالم العربى من أزمات عدة، بداية من التأليف، وصولًا لبقية عناصر الصناعة، وأيضًا الجمهور، ويعود ذلك جزئيًّا- فيما أحسب- إلى أن الطبقاتِ التى تستطيع (المستهلِك الأكبر للثقافة والإنتاج الفنى) أصبحت منفصِلة عن الشارع، بلُغته العربية. حيث يفضِّل هؤلاء الإنتاج الغربيَّ، بينما تفقد الأعمال العربية- الفصيحة منها أو حتى العامية الراقية- كُتابها وصُناعها وجمهورَها المستهدَف، مما يُضعِف الصناعة الثقافية.

     كما شهدت الأغنية العربيةُ تحولاتٍ جذريةً؛ فبينما تحافِظ الأغانى الشعبيةُ على حضورها فى الشارع؛ نجِد أن الأجيال الناشئةَ- فى الطبقات المثقَّفة، الوسطَى العُليا والأرستقراطية- تسمَع وتعيش ضمْن الإنتاج الموسيقى الغربى، ناظرةً إلى الفنون المَحلية نظرةَ استخفاف أو تجاهُل تام، ممَّا حطَّم الجِسر الواصِلَ بين إيقاع العَصر وجماليات التراث الشِّعرى والموسيقيِّ العربى.

     إن تفَشِّى ظاهرة استبدال اللغة الإنجليزية بالعربية فى البيوت، وعلى ألْسِنَة النُّخَب، بالتزامن مع تدهوُر التعليم الحكومى، والتسرُّب المدرسى، يُنذر بإنتاج مجتمعات منقسمة ثقافيًّا؛ أقلية معزولة تعيش بلِسان وثقافة غربية، وهى التى ستسيطر على مفاصِل ومؤسَّسات الوطن فى القادم، وأغلبية تعانى من التراجع التعليمى والمعرفى؛ ومن ثم من الإنسانية المتطورة.

     تتشعَّب المشاكل التى نواجِهها فى تراجُع اللغة العربية، وتحتاج أن يُفرَد لها مجموعةٌ من المؤتمرات، وأوراق العمل من المختَصين، على أن تقتنع القياداتُ بأن الحِفاظَ على اللغة العربية قضيةُ حِفاظ على الهُوَية، وأنها قِوام الوطنية، وأن تَرعَى بنفْسها مؤتمرًا كبيرًا، يناقِش كل قضايا التعليم واللغة العربية، وتتعهَّد بتنفيذ كل ما يوصِى به المتخصِّصون، من إعادة هندسة المناهج، ووضْع مواد تدريسية، تستطيع جذْب الطالب للعربية، والاهتمام بتوعية الأُسر- من خلال الإعلام والمَواقِع والقنوات الفضائية والبرامج- بأهمية اللغة العربية، وأنها ليست مجرَّدَ مادةٍ دراسية ثقيلة.

     كما يتعيَّن على الدولة أن تقنِّن بجِدِّية دمْج اللغة العربية بعُمق فى المدارس الأجنبية، وجعْلها محبوبة ومفضَّلة لدى هذه النُّخَب؛ بتطبيق بعض الإجراءات العملية، وجعْلها ملزِمة فى اشتراطات معايير الاعتماد، وربْط تراخيص المدارس الأجنبية بنِسب نجاح معيَّنة فى مواد الهُوَية، ووضْع ساعات معتمَدة للأنشطة الثقافية (مسرح، مناظرات، ومجلات مدرسية بالفصحى) ورفْض التلاعُب بأوقاتها.

     واشتراط تنظيم مسابقاتٍ كُبرى، وجوائزَ ماليةٍ ومعنوية ضخمة، تحت رعاية ورقابة الدولة، للطلاب المتميِّزين فى العربية، واستضافة روَّاد أعمال وصُناع محتوى مؤثِّرين يتحدثون العربية ببراعة؛ للحديث عن قيمتها، وجعْل المهرجانات المسرحية والسينمائية السنوية داخل هذه المدارس باللغة العربية حصرًا؛ لتحويلها إلى منصَّة تباهٍ ثقافيٍّ وفنيٍّ، بدلًا من اللغات الأجنبية.

     أما فيما يَختص بمدرِّسى اللغة العربية، فى المدارس الأجنبية، فهناك ضرورة لكسْر الصورة النمطية لمعلِّم العربية «التقليدى الجامد»؛ ولتحقيق ذلك يجب التركيز على الثقافة العالية، والشخصية الجذابة، القادرة على تحبيب اللغة العربية للطلاب.

     وكذلك تعيين معلِّمين للعربية يمتلكون مهاراتِ تواصُلٍ حديثةً، ومعرفةً واسعة بالأدب العربى والعالمى، وقُدرةً على النقاش العصرى بلُغة بليغة وسلِسة، بعيدًا عن التعقيد والتلقين؛ لقطْع الهُوَّة بين لُغة الطالب الأجنبية وثقافته العربية، بلُغة حِوَار مقنِعة.

     إلى جانب منْحهم رواتبَ ومكانةً أدبية ومؤسَّسية تعادِل أو تفُوق معلِّمى اللغات الأجنبية؛ لضمان استقطاب أفضل الكفاءات، وترْك صورة ذهنية مرموقة للمادة داخل المدرَسة.

     مع إعداد دورات تدريبية متقدِّمة وملزِمة للمعلِّمين؛ لدمْج التكنولوجيا، والتعلُّم التفاعُلى، وسرْد القصص بالعربية الفصحى الميسَّرة؛ لجذْب انتباه عقولٍ نشأَت على الإنجليزية.

ونستكمل مَحاور أخرى فى المقال القادم.

المصدر: المصري اليوم